الذكاء الاصطناعي يغيّر مفهوم الكتابة، من نص ينسب إلى صاحبه إلى محتوى قد تتداخل في إنتاجه الكلمات البشرية والخوارزميات (مولدة بالذكاء الاصطناعي/الجزيرة)
بالكلمات شُيّدت القوانين، وأُعلنت الثورات، وسُجلت الهزائم والانتصارات، وعبرت الأفكار والفلسفات حدود الزمان والمكان. لم تكن الكتابة يوما مجرد حروف مصطفّة في صفحة، بل كانت وسيلة الإنسان لحفظ أثره ومقاومة النسيان، ونقل ما عرفه وفكر فيه إلى من لم يعاصروه.
ولم تكن قيمة النص في مضمونه وحده، بل في معرفة صاحبه أيضا، فنسبة القول إلى قائله جزء من أمانة المعرفة، وقد عبر الإمام جلال الدين السيوطي عن هذا المعنى بقوله "من أمانة العلم عزو كل قول إلى صاحبه". وظل هذا المبدأ حاضرا في تقاليد التأليف والبحث، حيث لا تنفصل الأفكار عن أصحابها ولا تكتمل الأمانة العلمية من دون الإشارة إلى مصادرها.
وعلى امتداد التاريخ، تبدلت أدوات الكتابة، لكن ظل وراء النص افتراض راسخ، أن إنسانا هو من صاغ كلماته، واختار عباراته، حتى إن استعان بغيره في تنقيحها أو تحريرها.
أما اليوم، فقد دخلت الآلة إلى صميم هذه العملية، إذ لم تعد تكتفي بتصحيح الأخطاء أو اقتراح العبارات، بل باتت تنتج مقالات ورسائل ونصوصا أدبية، وتحاكي الأساليب البشرية بدرجة جعلت التمييز بين ما يكتبه الإنسان وما تولده الخوارزميات أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.
وبينما تتسابق أدوات رقمية إلى كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، تتطور في المقابل تقنيات تسعى إلى توثيق مصدر المحتوى ومراحل إنتاجه، وتسجيل ما طرأ عليه من تعديلات. فهل نقترب من زمن يصبح فيه لكل نص سجلّ يرافقه، ويكشف كيف كُتب، ومن أسهم في صياغته، وما الذي أضافته الآلة إلى كلمات الإنسان؟
التعليقات (0)