الكاتب: المهندس منير سعد – بيرزيت
للباب حضور مألوف في حياتنا اليومية، لكنه يحمل معنى يتجاوز وظيفته المادية. فهو يفصل بين الداخل والخارج، ويوفر الحماية والخصوصية، ويتيح العبور من مكان إلى آخر. وقد يكون علامة ترحيب حين يُفتح للضيف، أو تعبيرًا عن الانغلاق حين يُغلق في وجه المحتاج. وفي الكتاب المقدس، تتجاوز رمزية الباب هذه المعاني لتلامس علاقة الإنسان بالله، واستعداده لقبول النعمة، ومسؤوليته تجاه الآخرين.
يقول السيد المسيح له المجد: "أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص" (يوحنا 10: 9). في هذا الإعلان، لا يعود الباب مجرد مدخل، بل يصبح رمزًا للطريق إلى الحياة والأمان والانتماء. فالدخول من هذا الباب يعني اختيار طريق المحبة والحق، والثقة بالله الذي يدعو الإنسان إلى حياة أكثر عمقًا ومعنى. إنها دعوة إلى عبور يتغيّر فيه القلب، لا مجرد انتقال من مكان إلى آخر. فالإيمان، في جوهره، ليس فكرة نكتفي بالإقرار بها، بل علاقة تنعكس على نظرتنا إلى أنفسنا وإلى العالم من حولنا.
وتظهر صورة الباب أيضًا في حديث السيد المسيح عن الباب الضيق: «ادخلوا من الباب الضيق» (متى 7: 13). فالطريق إلى الحياة لا يقوم على السهولة الدائمة أو إرضاء الرغبات، بل يحتاج إلى التواضع وضبط النفس والاستعداد للتخلّي عمّا يبعد الإنسان عن الحق وخلاص نفسه. وقد يكون الباب الضيق هو اختيار الصدق حين يكون الكذب أسهل، أو التسامح حين يبدو الانتقام أكثر إرضاءً، أو الوقوف إلى جانب الضعيف حين يفضّل الآخرون الصمت. إنه طريق يتطلب مراجعة الذات، والتمييز بين ما نرغب فيه وما ينبغي أن نختاره.
وفي سفر الرؤيا، تأتي صورة المسيح الواقف على الباب قارعًا: "هأنذا واقف على الباب وأقرع" (رؤيا 3: 20). إنها صورة تعبّر عن المبادرة الإلهية التي لا تلغي حرية الإنسان؛ فالمسيح يقرع، لكنه لا يقتحم. يبقى الباب مفتوحًا أمام الاستجابة، ويصبح الإصغاء فعلًا من أفعال الإيمان، لأن القلب لا يتغيّر بالإكراه، بل بالقبول والثقة. ويمكن لهذه الصورة أن تدعونا إلى الإصغاء من جديد، وسط ضجيج الحياة وانشغالاتها، إلى صوت الحق الذي يحثنا على المحبة والمصالحة وتجديد حياتنا.
أما قول صاحب المزمور: «افتحوا لي أبواب البر» (مزمور 118: 19)، فيربط الباب بالسعي إلى حياة مستقيمة. فالإيمان لا ينحصر في المشاعر أو الأقوال، بل يظهر في العدل والأمانة والرحمة. والباب الذي يفتح أمام الله ينبغي أن يقود أيضًا إلى الإنسان، ولا سيما المحتاج والغريب والمهمّش. فاستقبال النعمة يضع أمامنا مسؤولية أن نكون أكثر سخاءً وتفهّمًا، وأن نجعل من بيوتنا وقلوبنا أماكن للقبول والمشاركة، لا للإقصاء والحكم على الآخرين.
التعليقات (0)