ليس كل المطر غيثًا، وليس كل شتاء فصلًا للدفء والحنين. ففي غزة، جاء المنخفض الجوي الأول محمّلًا بما يفوق قدرة القلوب على الاحتمال، وكأن السماء قررت أن تختبر ما تبقّى فينا من صبر، بعد أن استنزفت الحرب أرواحنا وأحلامنا وبيوتنا. اليوم، وأنا أعيش هذه المأساة من قلب غزة، لا أكتب عن مشهد قرأته في نشرة إخبارية، ولا عن صور شاهدتها عبر الشاشات، بل أكتب عن واقع أراه وألمسه وأتنفس وجعه في كل لحظة. هنا، في غزة، لا يستقبل الناس الشتاء بفرحة المطر، ولا يترقبون رائحة الأرض المبللة كما يفعل الآخرون. هنا، حين تتلبد السماء بالغيوم، ترتجف القلوب قبل الأجساد، وتبدأ العيون بمراقبة السماء، لا انتظارًا للمطر، بل خوفًا مما قد يحمله. تخيلوا أن تكونوا بلا بيت، بلا جدران تحميكم، بلا سقف يصد عنكم الريح، وأن يكون عنوانكم قطعة قماش مهترئة، لا تقيكم بردًا ولا تمنع عنكم ماءً. تخيلوا أمًّا تضم أطفالها في زاوية خيمة، تحاول أن تحمي أجسادهم الصغيرة من قطرات المطر المتسللة من ثقوب النايلون، وأبًا يقف حائرًا لا يعرف من أين يبدأ؛ هل ينقذ الفراش الذي ابتلّ؟ أم يرفع الأغطية عن الأرض؟ أم يبحث عن مكان جاف يضع فيه أطفاله؟ تخيلوا طفلًا يستيقظ ليجد فراشه غارقًا بالماء، وملابسه مبللة، وألعابه القليلة التي نجت من الحرب قد ابتلعتها مياه المطر والطين. أي ذنب ارتكبه هذا الطفل حتى يصبح سقف أحلامه قطعة نايلون؟ وأي قسوة هذه التي تجعل أبسط حقوق الإنسان، كالنوم في فراش جاف وآمن، حلمًا بعيد المنال؟ في غزة، لم يعد المطر مجرد حالة جوية؛ أصبح امتحانًا جديدًا للبقاء. الخيام تغرق، والأغطية تبتل، والفرش تتحول إلى كتل من الماء والطين، والرياح تعبث بما تبقى من ستر العائلات. أما المرضى وكبار السن والأطفال والنساء، فيواجهون بردًا لا يملكون له دواءً، ولا مأوى يخفف عنهم قسوته. وما يزيد المشهد وجعًا أن هذه الخيام لم تكن يومًا خيارًا لأصحابها، بل كانت آخر ما تبقى لهم بعدما فقدوا بيوتهم وأمانهم واستقرارهم. لقد خرجوا من تحت ركام المنازل، ليجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة ركام جديد من المعاناة، تصنعه الأمطار والرياح والبرد. لقد رأيت من العذاب ما تعجز اللغة عن احتوائه، وشاهدت وجوهًا أنهكها الانتظار، وعيونًا لم تعد تعرف كيف تبكي، وأناسًا يحاولون إنقاذ ما تبقى من أشيائهم البسيطة، وكأنهم يحاولون إنقاذ ما تبقى من حياتهم. وأكثر ما يؤلمني أنني لا أستطيع أن أصف للعالم حقيقة المشهد كما هو؛ فبعض الأوجاع أكبر من الكلمات، وبعض المشاهد لو نُقلت كما هي لاحتاجت القلوب إلى عمر كامل حتى تستوعبها.
يا عالم... لسنا بحاجة إلى صور جديدة توثق غرق خيامنا، ولا إلى كلمات تعاطف عابرة تنتهي بانتهاء الخبر. نحن بحاجة إلى فعل حقيقي، إلى مأوى يحفظ كرامة الإنسان، وإلى خيام تليق بالبشر، وأغطية وملابس شتوية ووسائل تدفئة، وإلى حماية أطفال لم يعرفوا من طفولتهم إلا الخوف والفقد والحرمان. لا تجعلوا من شتاء غزة خبرًا موسميًا تتداولونه ثم تنسونه. فخلف كل خيمة حكاية إنسان، وخلف كل طفل مبلل أمٌّ تقاوم عجزها، وخلف كل فراش غارق أسرة تحاول أن تجد مكانًا جافًا لتنام فيه. وأنا، بوصفي إنسانة من غزة، وشاهدة على هذه المأساة، أقول: إننا لا نطلب المستحيل، ولا نطلب امتيازات لا يملكها غيرنا؛ نحن نطلب حقنا البسيط في الحياة، في الدفء، في الأمان، وفي أن ننام ليلة واحدة دون أن نخشى أن تستيقظ أجسادنا على مياه المطر. غزة لا تحتاج إلى من يشاهد وجعها فقط، بل إلى من يتحرك لوقفه. فليس أقسى من أن تفقد بيتك في الحرب، إلا أن تقضي شتاءك تحت خيمة لا تستطيع أن تحميك من المطر. اللهم دفئًا لكل طفل يرتجف، ومأوى لكل عائلة فقدت بيتها، ورحمةً بقلوب أرهقها النزوح، وسلامًا يليق بغزة وأهلها.
غزة لا تبكي المطر... غزة تبكي وطنًا كان ينبغي أن يحمي أبناءه من كل هذا الوجع.
أكتب اليوم لا بصفتي كاتبة تبحث عن جمال العبارة، بل بصفتي ابنة غزة التي تعيش تفاصيل الوجع، وتشاهد بعينيها ما تعجز الكلمات عن نقله. هذه ليست حكاية من وحي الخيال، بل شهادة إنسانية من قلب المأساة. لعلّ الكلمات تصل إلى ضمير لم توقظه الصور بعد.
التعليقات (0)