لم تكن خسارة العرب مجرد ضياع لفكرة سياسية عابرة، بل كانت تبديداً لمشروع حضاري متكامل كان بوسعه تغيير موقعهم في التاريخ العالمي. لقد تحول المجال الجغرافي الذي يجمعهم من قوة فعل سياسية إلى مجرد حنين ثقافي، نتيجة لتبني حدود زائفة رسمتها القوى الكبرى في غرف مغلقة بعيداً عن إرادة الشعوب.
بدأ التفكيك الفعلي قبل الاستقلالات الشكلية، حيث نُظر إلى المشرق العربي كفضاء قابل لإعادة التصميم والمساومة الدولية. كانت اتفاقية سايكس بيكو بمثابة الجرح المؤسس الذي لم يقسم الأرض فحسب، بل قسم المستقبل العربي عبر خلق وحدات سياسية منفصلة تحمل كل منها سردية حدودية متوجسة من جيرانها.
الدولة القطرية التي نشأت عقب الاستعمار لم تكن حلاً، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى جدار عازل يمنع التلاقي الحقيقي بين الشعوب. وبدلاً من أن تكون هذه الدول بوابات نحو تكامل تدريجي، أصبحت عقائد سياسية مغلقة ترى في أي مشروع وحدوي تهديداً لسيادتها الهشة والمستمدة غالباً من اعتراف الخارج.
لقد استبدلت الأنظمة مفهوم الأمة بالمواطنة الضيقة، ثم اختزلت المواطنة في الولاء للنظام الحاكم، مما أدى إلى انحدار السياسة من مستوى المشروع القومي إلى مستوى البقاء السلطوي. هذا الواقع جعل كل كيان عربي مشغولاً بحماية نفسه من جاره أكثر من انشغاله بحماية الأمن القومي العربي الشامل.
تشير التقارير إلى أن التمزق العربي لم يعد نتاجاً للتدخل الخارجي وحده، بل صار يُدار بأيدٍ عربية تسعى لفرض نفوذها الإقليمي على حساب استقرار الدول الشقيقة. ففي اليمن وليبيا والسودان، برزت أدوار إقليمية دعمت تشكيلات موازية للدولة، مما ساهم في إطالة أمد الصراعات وترسيخ الانقسامات المجتمعية.
في الحالة السودانية واليمنية، وُجهت اتهامات مباشرة لأطراف إقليمية بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوى غير نظامية، مما أدى إلى كوارث إنسانية وتمزيق للنسيج الوطني. هذه التدخلات تعكس رؤية تفضل الأنظمة المنضبطة أمنياً أو الموالية لها على حساب الدول الحية اجتماعياً والديمقراطية.
💬 التعليقات (0)