حين ينتشر مقطع لشجار بين مراهقين، نسارع إلى السؤال: ماذا فعلت التكنولوجيا بأبنائنا؟ نتهم الهواتف والألعاب ومنصات التواصل، ونستحضر صورة جيل سابق نراه أكثر هدوءًا واحترامًا. لكن هذه المقارنة تحتاج إلى مراجعة؛ فانتشار مشاهد العنف لا يكفي لإثبات أن جيل زد والأجيال الأصغر أكثر عنفًا ممن سبقوهم. ربما أصبحنا نرى أكثر، وربما أصبحت الحادثة الواحدة تتكرر أمامنا حتى نظن أنها حوادث كثيرة.
ومع ذلك، فإن السؤال عن دور التكنولوجيا مشروع، شريطة أن ننظر إلى ما وراء الجهاز. فالعالم الرقمي تديره شركات، وتحكمه مصالح اقتصادية، وتتدخل فيه دول وأجهزة أمنية. ولذلك، فإن فهم ما يتعرض له أبناؤنا يحتاج إلى مساءلة المحتوى، ومن يملك أدوات توزيعه، والسياسات التي تحدد ما يظهر وما يُحجب، ومن يُراقَب ومن يستطيع الكلام.
العنف لا يولد من الشاشة وحدها. تشير منظمة الصحة العالمية إلى عوامل متعددة ترتبط بعنف الشباب، منها التعرض للعنف داخل الأسرة، وضعف العلاقة مع الأهل، وتأثير الرفاق، والفقر وعدم المساواة. وحين نختزل المشكلة في الهاتف، نخاطر بإهمال البيئة التي يعود إليها الطفل بعد إغلاقه.
لكن المنصات أضافت إلى هذه البيئة إمكانات جديدة. يمكن أن تتحول الإهانة إلى محتوى، والاعتداء إلى وسيلة للظهور، والضحية إلى صورة يعاد تداولها دون موافقتها. وقد ينتهي الشجار في الشارع بينما يستمر داخل الهاتف، بالتعليقات والسخرية والتهديد. هنا تصبح التكنولوجيا قادرة على توسيع دائرة الأذى وإطالة عمره، ويصبح الجمهور شريكًا حين يكافئ الإذلال بالمشاهدة والمشاركة.
وفي الحالة الفلسطينية، يبقى هذا التفسير ناقصًا إذا أغفلنا السياسة الاستعمارية. فالطفل لا يتعرف إلى القوة من مقطع ترفيهي فقط؛ بل يراها أيضًا في واقع الاحتلال، وفي صور القتل والاعتقال وهدم البيوت. ومن موقع الرأي، أرى أن علينا أن نسأل: كيف نبني لدى الأبناء الثقة بالعدالة، وهم يشاهدون انتهاك الحقوق واستمرار الإفلات من المحاسبة؟ وكيف نشرح احترام الكرامة في عالم تتفاوت فيه قيمة الضحايا بحسب هوياتهم؟
ويمتد هذا السؤال إلى الفضاء الرقمي نفسه. فقد تناول تقرير للمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة استخدام المراقبة الرقمية لتعميق السيطرة على حياة الفلسطينيين، بما يشمل الكاميرات وتتبع الهواتف ومراقبة النشاط عبر الإنترنت. وبذلك، يمكن للأداة التي يستخدمها الشاب للتواصل والتعلم أن تدخل أيضًا في منظومة تراقبه وتضيّق حريته.
التعليقات (0)