هناك أشياء لا نلتفت إلى قيمتها الاقتصادية إلا عندما تصبح أكثر كلفة. جرة الغاز واحدة منها. تقف عادة في زاوية المطبخ، لا تشغل حيزا في أحاديثنا اليومية، لكنها تصبح فجأة قضية عامة عندما يرتفع سعرها، ويتحول استبدالها من حاجة منزلية عادية إلى حساب جديد في ميزانية الأسرة.
في تشرين الثاني، ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلية سعة 12 كيلوغراما في فلسطين من 90 إلى 100 شيكل. عشرة شواكل إضافية قد تبدو رقما محدودا في حسابات السوق، لكنها ليست كذلك بالضرورة في حسابات أسرة تحاول تدبير احتياجاتها بدخل متآكل، أو راتب غير مكتمل، أو عمل لم يعد يوفر الحد الأدنى من الاستقرار.
المسألة ليست في جرّة الغاز وحدها، بل في تراكم الزيادات الصغيرة على حياة أصبحت مثقلة أصلا. فالغذاء يرتفع، والكهرباء لها فاتورتها، والمواصلات تستنزف جزءا من الدخل، والالتزامات لا تنتظر تحسن الظروف الاقتصادية. وعندما ترتفع كلفة سلعة أساسية مثل الغاز، فإن أثرها لا يبقى محصورا في المطبخ؛ بل يمتد إلى المخابز والمطاعم والمنشآت الإنتاجية، ومن ثم قد يصل إلى أسعار سلع وخدمات أخرى.
قدمت هيئة البترول تفسيرها للزيادة، وربطتها بارتفاع الأسعار من المصدر، واضطرابات إمدادات الطاقة وتكاليف النقل، مؤكدة عدم زيادة الضرائب أو هوامش أرباح المحطات والموزعين. وهذا تفسير ينبغي أخذه في الاعتبار عند مناقشة أسباب التسعيرة، لكنه لا يلغي سؤالا آخر أكثر إلحاحا
من يتحمل الكلفة في النهاية؟
المواطن الفلسطيني لا يشتري الغاز من سوق عالمية مجردة؛ بل يشتريه من دخله المحدود، وفي اقتصاد يعاني اختلالات عميقة، ويتأثر بالاحتلال وسيطرته على المعابر والموارد، وبأزمة مالية تنعكس مباشرة على قدرة الحكومة على الاستجابة للضغوط المعيشية.
التعليقات (0)