(لو عرف الزيتون غارسه، لصار الزيت دمعا). لكن في المغير، شمال شرق رام الله، لم يعد الدمع استعارة كافية لوصف الحكاية. هنا صار الزيتون دما وذاكرة، وصار موسم القطاف امتحانا قاسيا لمعنى الانتماء، وصارت اليد التي تمتد إلى غصن محمل بالثمار تواجه احتمالا مفتوحا على الرصاص. لم تعد الحكاية أن تنضج الثمار ويحضر موسم الحصاد، بل أن يتمكن أصحاب الأرض من الوصول إلى أشجارهم، وأن يعودوا منها سالمين.
في المغير، لم يعد موسم الزيتون يشبه مواسمه القديمة. غابت أهازيج القطاف عن كثير من الحقول، وحل صوت الرصاص محل الأغاني، وأصبح الخروج إلى الأرض يحتاج إلى شجاعة لا يفترض أن يحتاج إليها مزارع يريد حصاد شجرة زرعها أجداده.
ورغم كل ذلك، في كل عام، أحرص على اصطحاب أبنائي إلى المغير في موسم الزيتون. لا أريد أن يكون ارتباطهم بالقرية مجرد زيارات عائلية أو أسماء تتردد في أحاديث البيت، بل أريدهم أن يعرفوا الأرض من قرب، وأن يلمسوا جذوع أشجارها، وأن يساعدوا أجدادهم في قطاف الزيتون، وأن يعيشوا معنى موسم الخير كما عاشته أجيال قبلهم. أريدهم أن يعرفوا أن الزيت الذي يصل إلى موائدنا حكاية أيد تعبت، وأرض أعطت، وذاكرة عائلة امتدت جذورها في المكان.
لكن هذا العام، لم تكن الرحلة إلى المغير تشبه أي رحلة سابقة.
من رام الله، حيث أقيم، بدأت الحكاية قبل أن نصل إلى القرية. عدة حواجز اعترضت طريقنا، وكأن الوصول إلى مكان ولدت فيه الجذور يحتاج إلى سلسلة من الأذونات والإجراءات العسكرية. وكان حاجز يبرود واحدا من محطات الانتظار الطويلة؛ أمضينا عليه ساعتين، وتعرضنا للتفتيش قبل السماح لنا بالمرور.
ساعتان على حاجز، فيما يفترض أن تكون الطريق إلى البيت امتدادا طبيعيا للحياة. ساعتان لا يقاس فيهما الزمن بالدقائق، إنما بما يتسلل إلى القلب من قلق، وبما يدور في رأس أم تصطحب أبناءها، وتحاول أن تبدو مطمئنة بينما تراقب الطريق وتفكر في كل احتمال.
التعليقات (0)