f 𝕏 W
‫قراءة نقدية في بلاغة الصورة وقلق الوجود واغتراب المكان في قصيدة ناصر عطا الله ... حين يقلم الليل أظفار العتمة وتبقى البلاد في انتظار النهار

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 1 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

‫قراءة نقدية في بلاغة الصورة وقلق الوجود واغتراب المكان في قصيدة ناصر عطا الله ... حين يقلم الليل أظفار العتمة وتبقى البلاد في انتظار النهار

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول قصيدة "الليل يقلم أظفار العتمة" للشاعر ناصر عطا الله، وهي مستوحاة من تجربة الشاعر كابن غزة المغترب، ثيمات الوجع الإنساني والوطني، حيث يتداخل الخاص بالعام ليصبح الجسد مرآة للوطن. تتكشف القصيدة عبر صور شعرية غنية بالمفارقات، مثل الليل الذي يعجز عن إتمام تقليم الظلام، والمطر البعيد الذي لا يروي العطش، مما يعكس قلق الوجود واغتراب المكان. كما تتناول القصيدة صورًا للفقر والحرمان، وتصف الوطن بـ "مقبرة بلا حراس"، وتختتم بنداءات لاستعادة زمن مضيء وإمكانية العودة.
أبرز النقاط

تنهض قصيدة "الليل يُقَلّمُ أَظفَارَ الْعَتْمَة" للشاعر ناصر عطا الله على طود من الوجع الإنساني والوطني، تتوزع أشتاته بين ذات مثقلة بركام الخيبة وبلاد استوطنها الخراب؛ فيلتحم الخاص بالعام، ويستحيل الجسد مرآة دامية للوطن، والوطن امتدادًا فسيحًا لجراح الجسد. وتتضاعف هذه العلاقة دلالة حين نستحضر أن الشاعر ابن غزة، يعيش غيابًا قسريًا عنها في زمن الحرب؛ فيغدو النص مشدودًا إلى مسافتين موجعتين: مسافة تفصل الجسد عن المكان، وأخرى يقطعها الوجدان كل يوم نحو بلاد تتوالى عليها الفجائع. ومن هذا التوتر تنشأ قصيدة يقيم فيها الوطن في أعماق المنفى، ويحضر الغياب بكامل وطأته.

ومنذ الاستهلال اللافت: «الليل يقلم أظفار العتمة»، يواجه المتلقي صورة شعرية مشحونة بالمفارقة، تُخلع فيها على الليل صفات بشرية، ثم يفاجئه انزياح دلالي مباغت حين «ينسى الخنصر»، لتتولد من هذه الحركة الضئيلة مفارقة كبرى: كأن الليل، وهو يحاول تقليم أدوات العتمة، يغفل عن بقية صغيرة تحتفظ بقدرتها على الإيذاء. وهنا تكتسب الصورة معناها من التناقض الكامن فيها؛ فالليل نفسه يتولى تهذيب الظلام الذي ينتمي إليه، ثم يعجز عن إتمام مهمته. إنها لفتة تفتح مغاليق المعنى على احتمالات شتى، وتستدرج القارئ إلى اقتفاء ما يتوارى خلف غرابتها من قلق وتهديد ماثل.

وتتعاظم بلاغة المفارقة حين «يكبر مطر بعيد في الجوار»، بينما تظل الجرار فارغة كقلب الشاعر؛ فالماء، بما يحمله في الوجدان الإنساني من دلالات الخصب والنماء والبعث، يصبح قريبًا في جغرافيا الصورة، قصيًا عن متناول الذات. ولعل هذه المفارقة تكتسب وجعًا مضاعفًا حين تُقرأ في ضوء الغربة الغزية؛ فالشاعر يرى الحياة في الأفق، بينما تستبد به صورة العطش في المكان الذي يحمله في وجدانه. وتستطيل دوائر الحرمان مع السفينة الشائخة التي تقف أمام «مضيق البؤساء»، تلتمس نهارًا و«بدلة جديدة لليابسة». وهنا تتقاطع عناصر الطبيعة في لوحة سريالية تضطرب فيها وظائف الأشياء؛ فالمطر يعجز عن ملء الجرار، والسفينة تشيخ قبل العبور، واليابسة تستجدي كساء يستر عريها، وكأن العالم قد أصابه خلل كياني جعل أدوات النجاة نفسها رهينة العجز والانتظار.

أما النداء الموجع: «يا وجهي الزهراوي البائس»، فيفتح ممرًا نحو مساءلة الذات وتأمل ملامحها، قبل أن يعيد وصلها بالمصير الجمعي في قوله: «والسهول جرداء / مثل كل فقراء أمتي». وهنا تتجلى صورة «معاطف القمح» بما تختزنه من دفء وستر وخصب، في مواجهة السهول المجدبة والفقر الممتد. وتستمد الصورة ألقها من التداخل الخلاق بين حقلين دلاليين: القمح الذي يقتات به الجسد، والمعطف الذي يقيه قسوة العراء؛ لتغدو الأرض نفسها جسدًا مكلومًا يلتمس ما يستر عريه ويصون كرامة الحياة فيه. ويتجاوز هذا التشكيل حدود الاستعارة المألوفة، حين يصبح القمح لباسًا للهوية، ويغدو فقدانه ضربًا من انكشاف الإنسان والأرض معًا.

وتبلغ القصيدة إحدى ذراها الوجدانية في تركيبها المكثف: «بلادي مقبرة بلا حراس»؛ فهي تختزل شعور الفقد وانكشاف المصير في سبيكة لفظية شحيحة الألفاظ، واسعة الدلالات، تجعل الوطن فضاء تتناسل فيه الغيابات، حتى يفتقد الراقدون من يحرس ذاكرتهم. وتغدو الصورة أشد إيلامًا حين تصدر عن شاعر غزي يعيش بعيدًا عن أرضه في زمن الحرب؛ إذ تتجاوز المقبرة دلالتها المكانية إلى إحساس بالعجز عن ملامسة الجراح، ومشاركة الأحبة محنتهم، وحراسة ما تبقى من شواهد الحياة. وتتجاوب هذه العتمة مع «محطات التعافي» التي تُترك فيها الذات منسية، لتنشأ مفارقة بين وعد الشفاء واستمرار الجرح، وبين الحاجة إلى النجاة والإحساس بأن البلاد ما زالت غارقة في أتون الفجيعة.

وفي المقطع الختامي تتوالى النداءات والاستفهامات: «يا شموس بلادي السابقة»، و«يا أقمار ترابي السمراء»، و«هل من عودة لتواشيحي؟». وتضطلع هذه الصيغ بوظيفة وجدانية استنهاضية، تستدعي زمنًا مضيئًا، وتستصرخ إمكان العودة والانبعاث. ومن رحم هذا الوجع تنبثق صورة الفراشات الهابطة في «حدائقي المدفونة»، بوصفها محاولة لاستعادة الحياة من تحت ركام الغياب، بينما تظل «النخلات الأرامل» صورة موحية لفقد الرفيق والحماية، ولانتظار يسبق هبوب العواصف ومجيء عمال القطاف. ولعل الاستفهام عن عودة التواشيح يحمل، إلى جانب الحنين، رغبة في استرداد الصوت نفسه؛ فالشاعر الذي فقد القدرة على الوصول إلى مكانه يستدعي أغانيه وطقوسه وأصوات أهله، وكأن العودة تبدأ باستعادة ما اختزنته الذاكرة من حياة.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)