شاركتُ الأسبوع الماضي في اليوم الدراسي الذي نظّمه مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت بعنوان «الحوكمة الذكية للإعلام والتعليم في عصر الذكاء الاصطناعي»، وقدّمتُ فيه ورقة سياساتية حول الذكاء الاصطناعي محركاً للبحث العلمي والابتكار في مؤسسات التعليم العالي للفترة 2026–2031، وقبل أن أبدأ تقديم الورقة كنتُ مقتنعاً بأن السؤال لم يعد «هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟»، فهو حاضر في مختبراتنا وقاعاتنا شئنا أم أبينا لكن السؤال الحقيقي: كيف نستخدمه بطريقة تحمي بحثنا العلمي بدل أن تعمّق هشاشته؟
تبدأ الورقة من الواقع كما هو، حيث لا يتجاوز الإنفاق على البحث والتطوير في فلسطين 0.1% من الناتج المحلي فقط، وفي غزة دُمّر أكثر من 90% من مباني التعليم العالي ومرافقه، وحُرم نحو 88 ألف طالب وطالبة من التعليم الجامعي، وفقدت الجامعات أكثر من 160 كادراً اكاديمياً بين شهيد ومفقود، والأرقام المتواضعة لمساهمات فلسطين في قاعدة بيانات مجلات البحث العلمي، فمن يقرأ هذه الأرقام يدرك أن الحديث عن «التحول الرقمي» بلغة المؤتمرات المعتادة لا يكفي، وأن المطلوب سياسة تعترف بالقيد قبل أن تعد بالإنجاز.
لماذا الآن؟ لأن النافذة مفتوحة، وقد لا تبقى كذلك، فالنماذج مفتوحة المصدر باتت تنافس النماذج المغلقة بجزء يسير من كلفتها، وخطة الوزارة 2025–2027 وفرت غطاءً استراتيجياً ينتظر ترجمته إلى برامج تشغيلية، والبدائل الرقمية قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من العام الأكاديمي في غزة دون الحاجة إلى بناء مبانٍ جديدة مثلاً وفي المقابل، وفي أمثلة إقليمية وعربية يستثمر الأردن ومصر ودول الخليج في هذا المجال بالفعل فالذكاء الاصطناعي، مع كل ما سبق، يوسّع هامش الممكن، لكنه لا يلغي القيود السياسية والمادية، وأي ورقة تتجاهل هذه الحقيقة ستكون أقرب إلى الأمنيات منها إلى السياسات.
قارنتُ في الورقة بين أربعة مسارات، فالأول إبقاء الوضع الراهن اللامركزي، وهو يمنح مرونة لمؤسسات التعليم العالي الكبرى لكنه يُنتج هدراً وتكراراً ويعزل مؤسسات التعليم العالي الصغيرة، الثاني نموذج مركزي تديره الوزارة، فيوحّد المعايير والأولويات لكنه قد يؤخر العملية لالتزامه ببيروقراطية ثقيلة أحياناً، أما الثالث اتحاد مؤسسات تعليمية يحقق وفورات الحجم مع الاستقلالية، لكنه يفتقر إلى سلطة إلزامية ليبقى هشاً تنظيمياً ، أما الرابع، وهو الذي أوصي به، فهو النموذج الهجين المتدرج.
يقوم النموذج على ثلاثة أعمدة، الأول سحابة وطنية مشتركة توفّر قدرات حوسبة كبيرة في أوقات الاستقرار، فلا تحتاج كل جامعة إلى شراء بنية لن تستغلها كاملة، الثاني خوادم محلية تعمل دون اتصال بالإنترنت وتحمل نماذج مفتوحة المصدر في كل جامعة، لتستمر الأبحاث حين ينقطع الاتصال أو تتعطل الخدمات، الثالث حوكمة مشتركة عبر مركز وطني يجمع الوزارة والجامعات والقطاع الخاص، ولأنني أؤمن بأن الطموح بلا تجريب مخاطرة، اقترحتُ برنامجاً تجريبياً من 12 إلى 18 شهراً، تكون فيه جامعات غزة أولاً، إلى جانب مؤسستين من مؤسسات التعليم العالي رائدتين في الضفة والقدس، أما تمويل الصندوق الوطني للمنح البحثية المدعومة بالذكاء الاصطناعي فيبدأ بنسبة عشرة بالمئة من الموازنة التطويرية للبحث العلمي.
وكان من أبرز ما دار في النقاش سؤال الأولويات: هل نبدأ بالبنية التحتية، أم ببناء القدرات البشرية، أم بتوفير الاحتياجات العاجلة للباحثين والطلبة؟ لكل خيار مبرراته، فمن يقدّم البنية التحتية يرى أن لا بحث بلا حوسبة وخوادم وشبكات، ومن يقدّم بناء القدرات يذكّر بأن أحدث الخوادم تتحول إلى معدات معطلة إن لم يوجد من يحسن استخدامها، ومن يقدّم الاحتياجات العاجلة يسأل بحق: كيف نتحدث عن سحابة وطنية وطالب في غزة لا يملك جهازاً أو ربطا ً مستقراً؟ وجوابي أن وضع هذه الخيارات في مفاضلة هو الخطأ بحد ذاته، فالمسارات الثلاثة تُدار معاً بتسلسل ذكي: نبدأ بما يضمن الاستمرار، أي خوادم دون إنترنت ونماذج مفتوحة وأدوات رقمية لجامعات غزة، ثم ندرّب الباحثين على استخدامها، بهدف تدريب 200 باحث في مرحلة التأسيس والوصول إلى ألف باحث لاحقاً، وتأتي السحابة الوطنية وتوسيع الحوسبة بعد أن يصبح هناك من يستفيد منها فعلاً.
التعليقات (0)