أعلنت نتائج الانتخابات التشريعية الأمريكية النصفية، التي جرت في الثالث من نوفمبر الجاري، عن مجموعة من المؤشرات السياسية المهمة التي تتجاوز حدود المنافسة التقليدية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتحمل دلالات على مستقبل القضية الفلسطينية وطبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية خلال المرحلة القادمة.
ولعل أبرز ما ميز هذه الانتخابات فوز عدد من المرشحين الذين تبنوا مواقف واضحة مناهضة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ورافضة لاستمرار الدعم العسكري الأمريكي غير المشروط لإسرائيل. ومن أبرز هذه النتائج فوز المرشح الديمقراطي عن ولاية ميشيغان، عبد الرحمن السيد، وفوز المرشحة الديمقراطية عبير قواس بعضوية مجلس شيوخ ولاية نيويورك، إلى جانب استمرار حضور رشيدة طليب وإلهان عمر في الحياة السياسية الأمريكية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية بالنظر إلى الحملات السياسية والإعلامية التي تعرض لها هؤلاء المرشحون، والتي تضمنت اتهامات وتشكيكاً في مواقف بعضهم، فضلاً عن حملات مالية استهدفت إضعاف فرصهم الانتخابية. ومع ذلك، استطاعوا تحقيق نتائج لافتة، مستندين إلى خطاب يدعو إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وعدم استخدام أموال دافعي الضرائب في تمويل الحروب والانتهاكات ضد المدنيين، وتوجيه الموارد نحو تحسين الخدمات الصحية والتعليمية وتطوير البنية التحتية داخل الولايات المتحدة.
وتكشف هذه النتائج عن تحول في نظرة قطاعات من الناخبين الأمريكيين إلى العلاقة بين الإنفاق العسكري الخارجي وأولوياتهم الاقتصادية والمعيشية. فارتفاع أسعار الوقود والسلع وتكاليف الحياة، نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران واضطراب أسواق الطاقة وإغلاق مضيق هرمز، شكل عاملاً إضافياً في تراجع شعبية الجمهوريين. وقد أقر ترامب بأن الحرب وارتفاع أسعار البنزين أثرا في نتائج حزبه. وبذلك لم تكن الانتخابات استفتاءً على السياسة الخارجية وحدها، بل عكست أيضاً اعتراضاً على كلفة الحروب وانعكاساتها المباشرة على حياة الأمريكيين.
وفي تطور لافت، أعلن الرئيس ترامب عزمه إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل، التي تبلغ نحو 3.8 مليار دولار، مع نهاية عام 2026. ورغم أهمية هذا الإعلان، فإنه لا يعني أن المساعدات قد توقفت فعلياً؛ فالاتفاق الأمريكي الإسرائيلي الحالي، الممتد لعشر سنوات، ينتهي في عام 2028، كما لم تتضح بعد آلية تنفيذ الإعلان أو مدى شموله لأشكال التعاون العسكري الأخرى. ومع ذلك، فإن مجرد طرح إنهاء هذه المساعدات يعكس تصاعد النقاش السياسي الأمريكي حول كلفة استمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل.
ومن وجهة نظري، فإن هذه النتائج ليست مفاجئة، بل هي امتداد لتحولات بدأت تتشكل في الرأي العام الأمريكي منذ عدة سنوات. فقد أشرت في محاضرات ومداخلات إعلامية قبل نحو ثلاث سنوات إلى وجود مؤشرات على تغير تدريجي في نظرة المجتمع الأمريكي إلى إسرائيل، وقلت إن هذه المؤشرات تحتاج إلى خمس أو عشر سنوات حتى تنضج وتتحول إلى مواقف سياسية ومؤسسية مؤثرة. واليوم يبدو أننا نشهد بداية تحقق هذه القراءة؛ فالحرب على غزة، وما رافقها من قتل واسع للمدنيين والأطفال والنساء ودمار طال مختلف مظاهر الحياة، جعلت صورة إسرائيل موضع تساؤل وانتقاد داخل المجتمع الأمريكي، ولا سيما لدى أوساط الشباب والجامعات والنقابات وقطاعات من الحزب الديمقراطي. كما أصبحت الاتهامات المتعلقة بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب حاضرة بقوة في النقاش الإعلامي والسياسي.
التعليقات (0)