الكاتب: د. منى أبو حمدية - أكاديمية وباحثة
تأتي ذكرى وعد بلفور هذا العام محمّلة بأسئلة التاريخ والحاضر، في ظل واقع فلسطيني بالغ القسوة، تتجدد فيه صور الاقتلاع والتهجير ومصادرة الأرض، وتتسع فيه دائرة الاعتداء على الإنسان والمكان والحقوق الوطنية. فبعد أكثر من قرن على الرسالة البريطانية التي رسمت ملامح مرحلة مفصلية في مصير فلسطين، لا تزال تداعيات ذلك القرار حاضرة في بنية الصراع، فيما تكشف الأحداث الراهنة عن استمرار سياسات تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وفرض وقائع جديدة بالقوة، وتقويض مقومات الحياة والاستقرار لدى السكان الأصليين.
في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، أصدرت الحكومة البريطانية إعلان بلفور، متعهدة بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في خطوة اتخذت بشأن أرض مأهولة بشعب له وجوده التاريخي والاجتماعي والسياسي، من دون الاحتكام إلى إرادته أو احترام حقه في تقرير مستقبله. ومن منظور تاريخي وسياسي، مثّل الإعلان تعبيراً واضحاً عن منطق استعماري قاهر تعامل مع فلسطين باعتبارها مجالاً لإعادة ترتيب المصالح الدولية، وتجاهل حقوق أهلها، ثم أُدرج لاحقاً في صك الانتداب البريطاني، ليصبح جزءاً من الإطار السياسي الذي مهّد لتحولات عميقة في بنية المجتمع الفلسطيني ومستقبله.
لقد تجاوزت تداعيات وعد بلفور حدود الإعلان السياسي، وأخذت تتجسد في مسار تاريخي طويل من التمكين الاستعماري، والهجرة المنظمة، وانتزاع الأراضي، ثم النكبة وما رافقها من تهجير جماعي وتدمير للقرى والبلدات الفلسطينية. وتواصلت حلقات هذا المسار عبر الاحتلال العسكري والاستيطان ومصادرة الموارد وتقييد الحركة، حتى باتت القضية الفلسطينية شاهداً على واحدة من أطول حالات الحرمان من تقرير المصير في التاريخ المعاصر. ومن هنا، فإن قراءة وعد بلفور لا ينبغي أن تنحصر في استعادة وثيقة تاريخية، وإنما تستدعي تفكيك منظومة السياسات التي أنتجها ذلك الإعلان، والبحث في كيفية استمرار آثارها بأشكال وأدوات تتغير تبعاً للظروف السياسية والعسكرية.
وتتجلى خطورة المرحلة الراهنة في أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، ولا سيما منذ حرب الإبادة على قطاع غزة، كشف عن حجم الاستهداف الذي يطال مقومات الوجود الوطني الفلسطيني. فقد تجاوزت الحرب حدود المواجهة العسكرية إلى تدمير واسع للأحياء السكنية والبنية التحتية والمؤسسات الصحية والتعليمية، وفرض ظروف إنسانية قاسية على السكان، بالتوازي مع محاولات دفعهم نحو النزوح والاقتلاع. وفي الوقت الذي كان فيه قطاع غزة يواجه واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، كانت الضفة الغربية تشهد تصاعداً في الاقتحامات والاعتقالات وهجمات المستوطنين وعمليات الهدم والتوسع الاستيطاني، إلى جانب القيود المشددة على حركة الفلسطينيين، بما يكشف عن ترابط المسارات التي تستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني في مختلف مناطق الوطن.
وفي هذا السياق، تبرز مدينة الخليل باعتبارها نموذجاً بالغ الدلالة على طبيعة التحولات الجارية في الضفة الغربية. فالمدينة التي تحمل إرثاً تاريخياً وحضارياً عميقاً، وتشكّل مركزاً سكانياً واقتصادياً واجتماعياً مهماً في جنوب فلسطين، تواجه إجراءات عسكرية تتجاوز آثارها حدود الميدان الأمني، لتطال الحياة اليومية لمئات الآلاف من المواطنين، وتنعكس على حقهم في السكن والعمل والتعليم والعلاج والتنقل.
التعليقات (0)