لم يعد خافياً على أحد أن المشهد السياسي العالمي يشهد تحولاً جذرياً في مقاربته للكيان. ففي الوقت الذي طالما اعتاد فيه الكيان على حماية دبلوماسية من قبل رعاته الغربيين وحلفائه التقليديين، تسجل تقارير وتحليلات صحيفة "هآرتس" الصهيونية واقعاً جديداً ومقلقاً للدوائر الحاكمة هناك؛ يتمثل في أن دول العالم، حكوماتٍ وشعوباً، أصبحت تنظر إلى اتخاذ مواقف صارمة ضد الكيان - وعلى رأسها المقاطعة بشتى أشكالها - بوصفها "ذخراً سياسياً" ورصيداً أخلاقياً تفخر به أمام شعوبها والمجتمع الدولي.
إن هذا التحول لا يعبر فحسب عن تراجع الدعم الأعمى لسياسات الاحتلال، بل يمثل انقلاباً في المعادلة السياسية التقليدية. فبعد أن كانت الحكومات تحسب ألف حساب لتداعيات أي خطوة تنتقد الكيان مخافة التهم الجاهزة أو الضغوط، باتت اليوم تتخذ من تقليص العلاقات، أو تجميد اتفاقيات التسليح، أو فرض القيود الدبلوماسية، ورقة رابحة تعزز بها شرعيتها أمام شعوبها التي باتت تضج بالرفض للانتهاكات المستمرة.
ولعل هذا التآكل المتسارع في الشرعية الدولية يكشف عن أزمة عميقة تعانيها الدبلوماسية الصهيونية؛ إذ تحولت سياساتها الميدانية والعدوانية إلى عبء سياسي ثقيل يحرج حتى أشد حلفائها التزاماً بحمايتها تاريخياً. فحين يصبح التضامن مع الكيان تهمة والتبرؤ من سياساته فضيلة سياسية، فإن ذلك يؤكد أن جدار العزلة لم يعد شعاراً تطلقه الحركات الشعبية فحسب، بل أصبح مساراً دولياً مؤسسياً تفرضه اعتبارات العدالة والقانون الدولي.
إن التغير في المزاج العالمي تجاه الكيان يعكس صحوة أخلاقية متأخرة، لكنها عميقة، تؤكد أن الغطرسة العسكرية والسياسات العنصرية لا يمكن أن تغطيها التحالفات إلى الأبد، وأن ثمن احتلال الشعوب وقمعها والسعي إلى إبادتها وتطهيرها عرقياً بات باهظاً حتى على الصعيد الدولي والأخلاقي.
التعليقات (0)