يحتشدون بالعاصمة اليمنية صنعاء، للاحتفال بالمولد النبوي، ويتابعون خطاب زعيمهم عبد الملك الحوثي عبر شاشات عملاقة، في مشهد يجسد توظيف المناسبات الدينية في التعبئة الجماهيرية وتعزيز الولاء للقيادة (أرشيفية-الأناضول)
لم تكن العلاقة بين الزيدية والحوثية، كما تتناولها دراسة الباحث أحمد الزرقة، علاقة امتداد مذهبي مباشر، ولا علاقة قطيعة كاملة بين مذهب تاريخي وحركة سياسية وعسكرية معاصرة. فبين هذين التفسيرين تتحرك الدراسة، محاولة الكشف عن الكيفية التي انتقلت بها جماعة خرجت من بيئة الإحياء الزيدي في صعدة إلى تنظيم مسلح، ثم إلى سلطة أمر واقع أعادت تشكيل المؤسسات والمجتمع حول مفاهيم الولاية والاصطفاء والولاء.
وتنطلق الدراسة التي تحمل عنوان "من الزيدية إلى الحوثية: المذهب، الإحياء والتنظيم السلطوي في اليمن" من أن الصراع الذي تعالجه ليس في جوهره صراعا بين الزيدية وغيرها من المذاهب، وإنما بين فكرة الدولة الجمهورية القائمة على المواطنة، وفكرة الإمامة المستعادة القائمة على الاصطفاء. ولهذا ترفض اختزال الحوثية في المذهب الزيدي، كما ترفض فصلها عن السياق التاريخي والفكري الذي استمدت منه عناصر مشروعها السياسي.
ويقدم الباحث في دارسته التي صدرت في كتاب عن دار الناسك بالولايات المتحدة الأمريكية مفهوم "إعادة التركيب الانتقائي" لتفسير هذا التحول. فالحديث ليس عن استعادة الحوثيين جميع عناصر التراث الزيدي والهادوي، بل عن اختيار مفاهيم محددة منه، وإعادة تنظيمها داخل بنية حديثة للتعبئة والقيادة والحكم. وتشمل هذه المفاهيم الولاية، والاصطفاء، وشرط البطنين، والقيام بالسيف، وما يرتبط بها من تصورات للشرعية السياسية.
وبهذا المعنى، تتناول الدراسة الحوثية باعتبارها عملية تحويل لرأس المال الرمزي والمذهبي إلى أدوات تنظيمية وسلطوية، انتقلت عبر مراحل متعاقبة من الإحياء إلى التعبئة، ومن التعبئة إلى التمرد المسلح، ومن التمرد إلى السيطرة على مؤسسات الدولة.
تضع الدراسة التمييز بين الزيدية والحوثية في مقدمة بنائها التحليلي. فالزيدية، في تناول الباحث، مذهب ديني وتراث علمي ومجال اجتماعي وسياسي متنوع، بينما تمثل الحوثية تنظيما حديثا أعاد توظيف بعض عناصر ذلك التراث لبناء مشروع للسلطة.
التعليقات (0)