في القدس، لا يُضرب جسد راهبة فقط، بل يُختبر معنى أن تبقى المدينة مدينة. في أحد أزقة البلدة القديمة، حيث تمرّ راهبة بثوبها الأبيض بهدوء، يكفي فعل واحد عنيف ليكسر هذا المشهد الهش، ويكشف ما يتراكم بصمت: أن العنف لم يعد استثناءً، بل احتمالاً قائماً في الحياة اليومية.
الحادثة التي أُصيبت فيها راهبة مسيحية على يد مستوطن ليست تفصيلاً عابراً في سجل الأخبار، بل لحظة كاشفة تُسقط الوهم القديم بأن ثمة مساحات ما زالت خارج دائرة الاستهداف. فالراهبة ليست خصماً سياسياً، ولا صوتاً في ساحة نزاع. إنها، في معناها الإنساني العميق، اختيار للحياة الهادئة: خدمة، صلاة، وانسحاب من صخب العالم. لذلك، فإن الاعتداء عليها لا يُفهم كاحتكاك عابر، بل كفعل موجّه ضد رمز—ضد صورة السلام نفسها.
الأرقام هنا ليست محايدة. خلال ثلاث سنوات فقط، ارتفعت الاعتداءات على المسيحيين ورموزهم في القدس ومحيطها من 89 حادثة إلى 155. هذا ليس تصاعداً طبيعياً، بل انزلاق واضح. وبين هذه الوقائع عشرات الاعتداءات الجسدية، ومئات الإهانات اليومية التي تتراوح بين البصق والشتائم والتضييق. والأخطر أن رجال ونساء الدين هم الأكثر استهدافاً—لأنهم مرئيون، لأن هويتهم لا تختبئ، بل تُحمل على الجسد وتمشي في الشارع.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في العدد وحده، بل في دلالته. فالبصق على راهب، أو ملاحقة راهبة، أو الاعتداء على كنيسة، ليست أفعالاً عشوائية. إنها لغة مكتملة. لغة تقول إن الآخر لم يعد يُرى كإنسان كامل الكرامة، بل كحضور قابل للإهانة بلا كلفة تُذكر. ومع تكرار هذه اللغة في الفضاء العام، تتحول من انحراف إلى نمط، ومن سلوك فردي إلى مناخ عام.
السؤال لم يعد إن كان ما يحدث خطأ—فهذا محسوم أخلاقياً—بل كيف أصبح ممكناً أصلاً. كيف انكسر الحاجز الذي كان يفصل بين الاختلاف والاعتداء؟ وكيف صار الرمز الديني، الذي يُفترض أن يكون خارج الصراع، داخل دائرة الاستهداف اليومي؟
من زاوية نفسية، لا تنفصل هذه الأفعال عن بنية توتر أعمق تبحث عن منفذ. في مثل هذه البيئات، يُختار الهدف بعناية: أن يكون مختلفاً، واضحاً، وأقل قدرة على الرد. والراهبة، بثوبها وصمتها، تجتمع فيها هذه الشروط. لكنها ليست هدفاً سهلاً فحسب، بل هدفاً مكثفاً؛ لأن الاعتداء عليها يمنح المعتدي وهماً بالسيطرة على معنى، لا على شخص.
💬 التعليقات (0)