من قلب الخيام المتهالكة، وتحت سماء لا تكف عن تلاوة آيات الصبر، انبثقت من المحافظة الوسطى لقطاع غزة حكاية تفيض بالنور والكرامة؛ حكاية ثلاث زهرات غرسنَ جذورهنّ في يقين العقيدة، فأثمرت تيجان وقارٍ في زمن عزّ فيه الأمان.
عبق الشهادة وبوصلة الشمال..
في البدء، كانت "بيت لاهيا" عروس شمال القطاع والشاهدة على ضحكات الصبا هناك، نشأت الشقيقتان آية وإسراء زياد المصري في كنف والدٍ لم يكن مجرد أب، بل كان قائدًا ومعلمًا ملهِمًا، عندما ارتقى والدهما الشهيد القائد زياد حمدي المصري شهيدًا مقبلًا غير مدبر، لم يترك لهما إرثًا من حطام الدنيا، بل ترك في صدورهما وصية معلقة بالقرآن، وبوصلة لا تخطئ طريق السماء. ومع اشتعال وطيس الحرب الضروس في عام 2023م، حزمت الشقيقتان معالم طفولتهما ونزحتا قسرًا نحو مدينة دير البلح، حيث لم تكن رحلة النزوح مجرد انتقال جغرافي، بل كانت قطعة من الجحيم؛ غبار، وتعب، وفقد، لكن وسط ركام الطريق وبكاء الثكالى، كان في جعبة "آية وإسراء" شيء أثمن من المتاع.. كان هناك مصحف يُقرأ في عتمة الليل، ويُستلهم منه الدفء. أخبار ذات صلة من تحت الركام إلى هياكل الخيام.. حديد غزة يُعاد تدويره في معركة البقاء الاحتلال يعتدي على زوطر الشرقية بالقصف المدفعي وينفذ عملية تمشيط في الخيام
رفيقة الدرب ونور الوسطى..
وعلى الجانب الآخر من الألم، وفي تفاصيل ذات المخيم، كانت خطى الطالبة تالا عبدالرحمن زايد تتشابك مع قدر الشقيقتين. فلم تكن تالا بعيدة عن المعاناة، فكل قذيفة تسقط كانت تختبر ثباتها، وكل ليلة باردة كانت تزيدها إصرارًا. تلقت الفتيات الثلاث دعوة خفية من السماء: "أنِ ارفَعنَ المصاحف، فما دون كلام الله سراب".
تحولت الخيمة الضيقة في المحافظة الوسطى من مأوى للاجئين إلى محرابٍ علوي، في الصباح، ومع طوابير المياه الشحيحة وصوت الطائرات المنبعث في الأفق، كانت إسراء تراجع الجزء، وآية تثبّت الآية، وتالا ترتل القرآن بصوت متهدج يغالب البكاء والأنين، كان المسير شاقًا، فالجوع ينهش الأجساد، والنزوح يشتت الأذهان، لكن عيون الفتيات كانت شاخصة نحو "الختمة الشريفة".
التعليقات (0)