القصة لم تنته ، بل تبدأ الآن
بعد خمسة وأربعين يوماً ، وبدمع العين ، سأطوي صفحة استثنائية من كتاب العمر ، صفحة امتدت لسنوات طوال عشتها كجندي ومناضل وضابط مسؤول برتبة لواء في جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني الذي أعتز به وأفتخر بقادته ، المؤسس الفريق جبريل الرجوب ( ابو رامي) ، المرحوم اللواء زهير مناصرة ( أبو إبراهيم ) ، اللواء زياد هب الريح ( ابو الوليد) ، اللواء عبدالقادر التعمري ( ابو المعتصم ) ، اللواء إياد الاقرع ( أبو الفاتح ) حامل الراية والمؤتمن المفصلي بمرحلة غاية بالتعقيد . خمسة وأربعون يوماً تقترب لتفصلني عن محطة يُطلق عليها لغوياً اسم "التقاعد" ، لكنها في قاموس المناضلين ليست سوى " إستراحة محارب " يعيد ترتيب أوراقه ليواصل العطاء في ميادين الحياة الأرحب . لم يكن هذا العمر الذي مضى مجرد وظيفة أو سنوات عمل عابرة ، بل كان عشرة عمر نكهتها وطنية بامتياز . عشرة عمر ، عُجنت بدموع الشهداء والجرحى ، وعرق الأوفياء ، وآمال الأسرى . لقد عشت هذا العمر كتفاً بكتف مع قادة وإخوة ، وقامات سياسية وأمنية ، تشاركنا معاً خبز الملح والبارود ، وتقاسمنا السهر والخوف على الوطن ، وجمعنا هدف واحد أسمى : تحقيق الحلم الوطني الكبير في إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف . هذه العشرة لم تكن يوماً جغرافية ضيقة ، بل كانت هويتها مقدسية ، عكاوية ، يافاوية ، حيفاوية ، وغزاوية بامتياز . حملنا فلسطين في قلوبنا من بحرها إلى نهرها ، من شمالها الى جنوبها ، وبسطنا أشرعة فكرنا لتكون قضيتنا ذات قومية عربية وعمق أممي بإنسانيته . دافعنا عن كرامة الإنسان الفلسطيني لأننا نؤمن أن حريتنا هي جزء من حرية العالم . اليوم ، وأنا أقف على أعتاب "خط الستين" ، لا أنظر إلى الخلف بندم أو حزن ، بل أنظر إلى الأمام بقلب مليء بالأمل والتفاؤل . إن هذا الخط ليس نهاية المطاف ، بل هو بوابة العبور نحو آفاق جديدة ، فالانتماء لفلسطين لا ينتهي بمرسوم ، والوفاء للإخوة لا ينقضي بانتهاء الخدمة العسكرية . إنها عشرة تأبى الانقطاع ، وتتجاوز حدود الزمان والخطوط العمرية . الرتبة قد تُوضع جانباً ، لكن العقيدة العسكرية والأمنية والروح الوطنية تظل محفورة في الوجدان . أغادر البدلة العسكرية وأنا مرفوع الرأس ، مطمئناً لأنني تركت خلفي مؤسسة قوية ، ورجالاً أوفياء سيواصلون حمل الراية بحرص وأمانة ، أخرج إلى الحياة المدنية متسلحاً بالوعي والحكمة التي اكتسبتها ، وبالحب الذي زرعته في قلوب زملائي وقادتي . أنتظر الأيام القادمة بشغف ؛ لأكتب ، ولأشارك ، ولأعود جندي بلا رتبه خادما لشعبي وقضيتي ، ولأعيش تفاصيل الحياة مع عائلتي التي تحملت غيابي الطويل ، ولأخدم أبناء شعبي من مواقع أخرى ، فالشمس التي تغيب لتعلن نهاية يوم عمل طويل ، هي نفسها التي تشرق في الصباح التالي لتعلن ولادة فجر جديد مليء بالفرص والحياة . إلى كل القادة والأخوة ورفاق الدرب كل بإسمه وموقعه ، الى اخوتي واخواتي بكل المواقع ، إلى جميع من سبقني بالتقاعد من أخوتي وزملائي ، من كان الى جانبي ومن إختلف معي ، والى قائدي مدير عام الجهاز الأخ اللواء أبو الفاتح ومساعديه ، ولوزير الداخلية مرجعيتنا الأخ اللواء زياد هب الريح ( ابو الوليد ) : لن أقول وداعاً ، بل إلى لقاء دائم في ساحات الوطن الذي جمعنا وسيبقينا معاً ، مسيرتنا مستمرة ، وحلمنا يقترب ، والأمل في غدٍ أفضل لا يموت .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
التعليقات (0)