الأربعاء 04 نوفمبر 2026 8:55 صباحًا - بتوقيت القدس
مع نشر هذه المقالة، تكون النتائج الأولية لانتخابات التجديد النصفي الأمريكي قد أعلنت، وربما كشفت عن خسارة الجمهوريين الأغلبية في مجلسي الكونغرس، بما يفتح الباب أمام الديمقراطيين للاحتفال بتراجع نفوذ ترمب السياسي، لكن الفلسطينيين، الذين دفعوا اثمانا باهظة للانحياز الأمريكي المتواصل للاحتلال، لا يملكون ترف التعامل مع الانتخابات باعتبارها مواجهة بين الخير والشر، او افتراض ان خسارة ترمب تعني بالضرورة مكسبا لفلسطين. فحرب الابادة في غزة اندلعت واستمرت في عهد ادارة ديمقراطية، وواصلت ادارة بايدن تزويد آلة الحرب بالسلاح والغطاء السياسي، رغم اتساع الكارثة الانسانية وتصاعد الضغوط الدولية لوقفها، ثم جاء ترمب، الذي لا يكف عن تكرار انه اوقف سبع او ثماني حروب، ودفع نحو اتفاق وقف إطلاق النار الهش في غزة، لكنه، في الوقت نفسه، قاد المنطقة بسياساته وتهديداته وتصعيده الى حافة الهاوية، ومواجهة اقليمية واسعة، وهكذا قدم نفسه صانعا للسلام، بينما بقيت سياساته مصدرا للتوتر، وكأن وقف حرب يمنحه تفويضا بإشعال أخرى.
أيا كانت النتائج، فلا صك براءة لأي من الحزبين، فالمساهمة في وقف الحرب لا تمحو مسؤولية من ساهم في استمرارها، والاتفاق على وقف اطلاق النار لا يعني انهاء الاحتلال او ضمان الحقوق الفلسطينية، فالسلام الذي يتجاوز جذور المشكلة لا ينهيها، بل يؤجل انفجارها، فيما تتحول معاناة الفلسطينيين الى ورقة في حسابات السياسيين ومواسم الانتخابات.اما صعود جيل جديد داخل الحزب الديمقراطي، فقد يوسع مساحة الاعتراض على السياسات الاسرائيلية، لكنه لا يكفي وحده لتغييرها، فالاختبار ليس في التصريحات المتعاطفة او انتقاد سياسات الاحتلال، بل في الاستعداد لمراجعة الدعم العسكري، ومساءلة الاحتلال عن انتهاكات القانون الدولي، بدلا من استمرار التعامل مع امنه باعتباره اولوية تتقدم على حياة الفلسطينيين وحقوقهم.فالسياسة الأمريكية لا تصنعها هوية الرئيس وحدها، ولا تتحدد بنتائج الانتخابات فقط، فهناك مؤسسات عسكرية وأمنية، وتحالفات اقليمية، ومصالح اقتصادية وصناعات سلاح، وحسابات نفوذ تجعل الانحياز للاحتلال جزءا من منظومة استراتيجية يصعب تغييرها بمجرد تداول السلطة بين الحزبين، وقد تختلف الادارات في ادارة هذه العلاقة ووسائل الضغط، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختلافا في مرتكزاتها.فلسطينيا، تكمن المشكلة ايضا في الرهان المزمن على تبدل الادارات الأمريكية كما الحكومات الاسرائيلية، وتحويل وعود التسوية الى بديل عن امتلاك اوراق القوة الوطنية، فبينما انتظر الفلسطينيون تغير المواقف في واشنطن، كانت الوقائع على الارض تمضي في الاتجاه المعاكس، استيطان يتوسع، واحتلال يتكرس، وحقوق وطنية تتآكل، وقدرة فلسطينية على التأثير تتراجع، وليس من المقبول ان يتحول الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين الى فرصة جديدة لانتاج وهم الانتظار السياسي من جديد.خسارة الجمهوريين الأغلبية، إن تحققت، ستعيد رسم موازين القوى داخل واشنطن، وقد تقيد حركة ترمب او تكبح جماحه، لكنها لن تعيد الحقوق الفلسطينية، فالمسألة لا تتعلق بمن يسكن البيت الأبيض او يسيطر على غرفتي الكونغرس، بل كيف ينتقل الفلسطينيون من موقع انتظار ما تقرره العواصم الى موقع امتلاك القدرة على التأثير في مسار قضيتهم، وبناء موقف وطني مستقل لا يختزل مستقبلهم في رهانات الخارج، فواشنطن قد تغير اداراتها وتحالفاتها وادواتها، فالسلام الذي لا ينهي الاحتلال ليس سلاما، والتغيير الذي لا يمس السياسات التي تحميه لا يتجاوز حدود تبديل الوجوه.
عماد الافرنجي: صحفي ومحاضر جامعي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)