f 𝕏 W
ممنوعون من زيارة أرض أجدادنا

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 1 10 د قراءة
زيارة المصدر ←

ممنوعون من زيارة أرض أجدادنا

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتزايد التقارير عن منع مواطنين أمريكيين، بمن فيهم من أصول فلسطينية، من دخول فلسطين رغم امتلاكهم التصاريح اللازمة، مما يثير تساؤلات حول المساواة في المعاملة وحقوق الإنسان. وقد شملت حالات المنع وفوداً دينية وأكاديميين وفنانين وحتى مواطنين يهود أمريكيين يشاركون في مبادرات سلمية، مما يعكس قيوداً تتجاوز مجرد الأصول العرقية لتشمل طبيعة الأنشطة والعلاقات مع المجتمع الفلسطيني.
أبرز النقاط

الثّلاثاء 03 نوفمبر 2026 8:35 صباحًا - بتوقيت القدس

ما معنى أن يحمل الإنسان جنسية دولة تحتفل بالحرية وحقوق الإنسان، ثم يجد نفسه عاجزاً عن زيارة الأرض التي وُلد فيها أجداده، وعاشت عليها عائلته، وتشكّلت فيها هويته وذاكرته؟ وكيف يمكن لجواز سفر أمريكي، يفترض أن يمنح حامله حق المعاملة المتساوية، أن يفقد قيمته عند أحد المعابر لمجرد أن صاحبه من أصول فلسطينية؟لم تكن هذه الأسئلة بالنسبة إليّ مجرد تساؤلات سياسية أو قانونية، بل أصبحت تجربة شخصية مؤلمة عندما مُنعت، برفقة مجموعة من المواطنين الأمريكيين، من دخول فلسطين عبر المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل، رغم استيفائنا متطلبات السفر وحصولنا على التصاريح الإلكترونية اللازمة.

في الثامن والعشرين من يونيو/حزيران 2026، كنت ضمن وفد أمريكي يضم تسعة مواطنين، يحملون جوازات سفر أمريكية، وقد أعددنا برنامجاً واضحاً لزيارة لا تتجاوز أحد عشر يوماً. لم نكن نبحث عن إقامة دائمة، ولم نأتِ للعمل بصورة غير قانونية، ولم يكن بيننا من سبق له مخالفة قوانين الهجرة أو تجاوز المدة المسموح بها. كانت غايتنا بسيطة وإنسانية: زيارة فلسطين، والتواصل مع أهلها، والتعرف إلى واقعها، والعودة إلى الولايات المتحدة بعد انتهاء الرحلة.لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً عما توقعناه. فقد خضعنا لساعات من الاستجواب والتحقيق، رافقتها اتهامات وتهديدات ومعاملة مهينة، قبل أن نتلقى قراراً بمنعنا جميعاً من الدخول وإعادتنا إلى الأردن. وفي لحظة واحدة، تحولت رحلة العودة إلى الجذور إلى تجربة إقصاء، وأصبحنا غرباء على أبواب أرض أجدادنا.لقد أمضيت أكثر من ثلاثين عاماً في العمل الإنساني، ولا سيما من خلال مؤسسة الأراضي المقدسة المسيحية المسكونية (HCEF)، التي كرّست جهودها لخدمة الشعب الفلسطيني، وتعزيز حضوره وصموده، والحفاظ على تراثه الديني والثقافي والإنساني. ولم يكن عملي يوماً خارج الأطر القانونية، بل كان قائماً على بناء الجسور بين الشعوب والمجتمعات، وعلى الإيمان بأن الكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تكون امتيازاً تمنحه سلطة وتحجبه أخرى.ومع ذلك، وجدت نفسي مطالباً بتبرير رغبتي في زيارة وطن أجدادي، وكأن الانتماء إلى فلسطين أصبح شبهة تستدعي التحقيق، وكأن صلة الإنسان بأرض عائلته تحتاج إلى موافقة تتجاوز كل المعايير الإنسانية.وحين حلّ الرابع من يوليو/تموز، يوم الاستقلال الأمريكي، كانت المفارقة أكثر إيلاماً. ففي الوقت الذي احتفلت فيه الولايات المتحدة بقيم الحرية والاستقلال والمساواة، كنت أستعيد مشهد منعي من دخول فلسطين. وكتبت يومها إلى الأمريكيين: «بينما تحتفل أمريكا بالحرية، مُنعتُ من دخول وطني فلسطين، ومن التمتع بوعد الحرية».لم تكن تلك الكلمات تعبيراً عن خيبة شخصية فحسب، بل عن تناقض يستحق أن يتوقف عنده كل من يؤمن بأن الحقوق لا تتجزأ، وأن المواطنة لا ينبغي أن تفقد معناها بسبب الأصل القومي أو الانتماء العائلي.فالقضية لا تتعلق بي وحدي، ولا بأعضاء الوفد الذين رافقوني. إنها جزء من ظاهرة أوسع طالت مواطنين أمريكيين من أصول فلسطينية، ووفوداً دينية، وأكاديميين، وفنانين، ومتطوعين دوليين، بل وحتى مواطنين يهوداً أمريكيين شاركوا في مبادرات سلمية لمساندة المزارعين الفلسطينيين وحمايتهم من اعتداءات المستوطنين.ومن بين الحالات التي أثارت الجدل قضية امرأة أمريكية من مدينة أوستن بولاية تكساس، كانت تسافر مع زوجها وأطفالها الثلاثة لحضور حفل زفاف عائلي. ووفقاً لما ورد في رسالة وجهها عضوا الكونغرس لويد دوغيت ودون باير إلى الإدارة الأمريكية، فقد فُصلت المرأة عن أسرتها، واستُجوبت بشأن أصولها الفلسطينية، وفُتش هاتفها، وصودر جواز سفرها الأمريكي، قبل منعها من الدخول وفرض حظر عليها لمدة خمس سنوات.إن ما تعرضت له هذه المرأة يثير سؤالاً جوهرياً: هل يتمتع المواطن الأمريكي من أصل فلسطيني بالحقوق نفسها التي يتمتع بها غيره من المواطنين الأمريكيين عند السفر إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية؟هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ضوء انضمام إسرائيل عام 2023 إلى برنامج الإعفاء من التأشيرة الأمريكي، الذي يستند إلى مبدأ المعاملة بالمثل، ويقتضي عدم التمييز بين المواطنين الأمريكيين بسبب أصولهم أو خلفياتهم. فكيف يمكن التوفيق بين هذه الالتزامات وبين استمرار ورود شهادات عن منع أمريكيين من الدخول رغم امتلاكهم الوثائق والتصاريح المطلوبة؟ولم تتوقف الإجراءات عند الأمريكيين من أصول فلسطينية. ففي أغسطس/آب 2026، مُنع وفد أمريكي متعدد الأديان، يضم ثلاثة عشر شخصاً من خلفيات مسيحية ويهودية وإسلامية وهندوسية، من دخول البلاد خلال رحلة هدفت إلى التعرف على أوضاع المسيحيين الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية.وكان من بين المشاركين أستاذ اللاهوت المتقاعد في جامعة إيموري لورانس إدوارد فيليبس وزوجته القسيسة سارة ويب فيليبس. وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الدينية الأمريكية، سُمح في البداية لتسعة من أعضاء الوفد بالدخول، قبل أن تتراجع السلطات عن قرارها وتسحب تأشيراتهم، ليُمنع الوفد بأكمله من مواصلة رحلته.إن منع وفد ديني من زيارة الأماكن المقدسة والتعرف إلى أحوال المجتمعات المسيحية الفلسطينية يطرح تساؤلات تتجاوز إجراءات الدخول إلى حرية التواصل الديني والإنساني، وإلى قدرة المؤسسات الدينية الدولية على الحفاظ على روابطها التاريخية مع الأرض المقدسة.وامتدت هذه القيود إلى المجال الثقافي والفني، عندما مُنع كوميديون أمريكيون وكنديون ونيوزيلنديون من المشاركة حضورياً في مهرجان فلسطين السنوي للكوميديا في الضفة الغربية. ومن بينهم الفنان أحمد الكدري، الذي تحدث عن استجوابه بشأن طبيعة عروضه قبل ترحيله مع عدد من زملائه، رغم حصولهم على تصاريح السفر المسبقة.واضطر الفنانون إلى تقديم عروضهم عبر تطبيق «زووم» لجمهور في رام الله وبيت لحم. ووفقاً لعامر زهر، الكوميدي الفلسطيني الأمريكي والمشرف على تنظيم المهرجان، كانت تلك المرة الأولى منذ تأسيسه عام 2015 التي يُحرم فيها فنانون دوليون من المشاركة حضورياً.وهنا يبرز سؤال آخر: ما الذي يجعل عرضاً كوميدياً أو زيارة ثقافية أو نشاطاً دينياً سبباً لمنع أشخاص من الوصول إلى جمهورهم أو إلى الأماكن التي يرغبون في زيارتها؟ولعل من أكثر الوقائع دلالة تلك المتعلقة بمواطنين يهود أمريكيين شاركوا في مبادرات سلمية لمرافقة المزارعين الفلسطينيين خلال مواسم الحصاد وقطاف الزيتون. فقد كشفت صحيفة «فوروورد» في أغسطس/آب 2026 عن إلغاء تصاريح سفر عدد من المتطوعين المشاركين في أنشطة تُعرف باسم «الحضور الوقائي»، التي تقوم على مرافقة المزارعين الفلسطينيين وتوفير شهود دوليين للمساعدة في الحد من الاعتداءات عليهم.وتحدث سبعة أمريكيين يهود عن إلغاء تصاريحهم، فيما أظهرت بيانات مركز اللاعنف اليهودي تأثر عشرات المشاركين في برنامج «هينينو» ومبادرات مشابهة. ومن بين هؤلاء متطوعة تُدعى هانا، تلقت إشعاراً بإلغاء تصريحها بسبب «تغيّر الظروف»، دون توضيح الأسباب بصورة كافية، بعد مشاركتها في مرافقة مزارع فلسطيني خلال موسم قطاف العنب.إن هذه الوقائع، إذا جُمعت معاً، تشير إلى أن التساؤلات بشأن قرارات المنع لا تقتصر على الأصول الفلسطينية للمسافرين، بل تمتد إلى طبيعة أنشطتهم وعلاقاتهم بالمجتمع الفلسطيني، بما في ذلك العمل الإنساني والتضامن السلمي.وقد نقلت شبكة الإذاعة الوطنية الأمريكية (NPR) عن محامين إسرائيليين تزايد الشكاوى المتعلقة بمنع الأجانب من الدخول، مشيرين إلى حالات خضع فيها مسافرون للاستجواب بشأن زياراتهم إلى الضفة الغربية، أو علاقاتهم بناشطين فلسطينيين، أو مواقفهم السياسية. وقالت المحامية عدي لوستغمان إن مكتبها بات يتلقى شكاوى من هذا النوع بصورة متكررة، معتبرة أن هناك تحولاً ملحوظاً في طريقة التعامل مع بعض المسافرين.وفي المقابل، تؤكد السلطات الإسرائيلية حقها في مراقبة دخول الأجانب وتطبيق القوانين المتعلقة بالأمن والهجرة، وتنفي وجود سياسة عامة لمنع الأشخاص بسبب آرائهم السياسية. غير أن هذا الموقف الرسمي لا يلغي الحاجة إلى تفسير واضح للحالات الموثقة، ولا يعفي الجهات المعنية من ضرورة ضمان الشفافية والمساواة وإتاحة سبل الاعتراض على القرارات.إن من حق أي دولة أن تنظم الدخول عبر حدودها وفق القوانين المعمول بها، لكن ممارسة هذه الصلاحيات ينبغي أن تخضع لمعايير واضحة وغير تمييزية، وألا تتحول الاعتبارات الأمنية إلى مبرر مفتوح يمنع أشخاصاً من زيارة عائلاتهم أو ممارسة أنشطة إنسانية وثقافية وسلمية.وتزداد خطورة هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين في الشتات، الذين تمثل زيارة فلسطين بالنسبة إليهم أكثر من رحلة سياحية. إنها صلة حية بتاريخ العائلة، وذاكرة الأجداد، والمقابر والكنائس والمساجد والبيوت والقرى التي تشكل وجدانهم وهويتهم. وحين يُمنع الإنسان من الوصول إلى هذه الأماكن، فإن الخسارة لا تقاس بثمن تذكرة سفر أو بعدد أيام الإجازة الضائعة، بل بما تتركه التجربة من شعور بالاقتلاع والحرمان.وبالنسبة إلى المتطوعين الدوليين، فإن القيود المفروضة على دخولهم تثير تساؤلات إضافية بشأن أثرها على وجود الشهود المستقلين في المناطق التي تشهد اعتداءات متكررة على الفلسطينيين، ولا سيما في التجمعات الزراعية بالضفة الغربية. فوجود هؤلاء المتطوعين لا يقتصر على المساندة المعنوية، بل يشمل في كثير من الأحيان توثيق الوقائع وتقديم شهادات مباشرة حول ما يحدث على الأرض.ومن هنا، فإن القضية تستدعي اهتماماً جدياً من الإدارة الأمريكية والكونغرس والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان وحرية التنقل. فالمطلوب ليس امتيازات استثنائية للأمريكيين من أصول فلسطينية، بل ضمان تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل بصورة عادلة وشفافة على جميع المواطنين الأمريكيين، دون تمييز بسبب أصولهم أو انتماءاتهم أو آرائهم المشروعة.كما أن من الضروري توفير آليات واضحة لمراجعة قرارات المنع، وإبلاغ المسافرين بأسبابها، وإتاحة فرص حقيقية للطعن فيها، بدلاً من ترك الأفراد أمام قرارات قد تكون لها آثار طويلة الأمد على علاقاتهم العائلية والإنسانية.أما بالنسبة إليّ، فإن تجربة الثامن والعشرين من يونيو لن تُختزل في ساعات الاستجواب أو قرار الترحيل. لقد أعادت إلى ذهني معنى الانتماء، وأكدت أن فلسطين ليست مجرد مكان نسعى إلى الوصول إليه، بل جزء من هويتنا لا يمكن فصله عنا بقرار إداري أو ختم على جواز سفر.لقد حملت جواز سفري الأمريكي، وحصلت على التصريح المطلوب، واحترمت الإجراءات المعلنة، وجئت في زيارة محددة المدة، ومع ذلك مُنعت من الوصول إلى أرض أجدادي. لكن ما لم تستطع تلك الإجراءات منعه هو ارتباطي بفلسطين، وإيماني بأن الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة قيم ينبغي الدفاع عنها للجميع.إن الاحتفال بالحرية لا يكتمل بالشعارات والاحتفالات الوطنية وحدها، بل يتطلب الدفاع عنها حين تتعرض للاختبار، وخاصة عندما يكون المتضررون أشخاصاً لا يملكون سوى حقهم في الانتماء والزيارة والتواصل مع جذورهم.وفي النهاية، قد تستطيع السلطات أن تمنع إنساناً من عبور معبر، أو أن تعيده من حيث أتى، أو أن تلغي تصريح سفره، لكنها لا تستطيع أن تلغي ذاكرته أو تمحو تاريخه أو تقطع الصلة التي تربطه بأرض أجداده.فالأرض التي عاش عليها أجدادنا ليست غريبة عنا، ولن تصبح كذلك مهما تعددت الحواجز وقرارات المنع. وقد نُمنع من زيارتها، لكن لا أحد يستطيع أن يمنع فلسطين من أن تبقى في قلوبنا ووجداننا وهويتنا.صغت النص في قالب مقال رأي إنساني وسياسي بصيغة المتكلم، ليُنشر باسم راتب ربيع، بدلاً من الصيغة الخبرية التي تتحدث عنه بضمير الغائب. وحافظت على الوقائع الأساسية، مع تعزيز الترابط بين التجربة الشخصية والقضية العامة وخاتمة تعكس رسالة الكاتب.ملاحظة تحريرية: قبل النشر، يُستحسن تدقيق التواريخ والأسماء والأرقام والاقتباسات المنسوبة إلى الجهات الإعلامية والرسمية؛ فقد حافظت عليها من النص المقدم دون تحقق مستقل.

واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)