مع اقتراب الحرب الروسية الأوكرانية من إسدال الستار على عامها الخامس، وانهيار أطول هدنة شهدتها مقاطعة خيرسون لصالح موجة تصعيد غير مسبوقة تضرب الأعماق والبنى الحيوية، تجد العواصم الأوروبية نفسها أمام منعطف جيوسياسي حرج.
فلم يعد الصراع مجرد استنزاف ميداني بين موسكو وكييف، بل تحول إلى مأزق مركب للقارة العجوز بعد انسحاب واشنطن من خطوط الدعم، لتجد أوروبا نفسها وحيدة في مواجهة طموحات الكرملين، محاصرة بين أعباء مالية خانقة ومخازن سلاح قاربت على النفاد.
ويرى الخبير في الشؤون الأوروبية، محمد رجائي بركات، أن الاتحاد الأوروبي دخل عنق الزجاجة بعدما أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدعم المالي والعسكري لكييف، تاركا الأوروبيين بمفردهم لتحمل أوزار الحرب.
ولم يكتفِ ترامب برفع يد واشنطن -مستندا إلى علاقات شخصية مع الرئيس فلاديمير بوتين– بل فرض معادلة تجارية صارمة على الحلفاء؛ فإذا أرادت أوروبا أسلحة أمريكية لدعم أوكرانيا، فعليها شراؤها نقدا ودفع ثمنها مقدما، كما قال بركات لبرنامج "ما وراء الخبر" على الجزيرة.
وعمّق هذا التحول الأمريكي التكاليف، إذ بات الأوروبيون -الذين ضخوا أكثر من 450 مليار يورو لمساعدة كييف- يستوردون 45% من استهلاكهم للنفط والغاز من الولايات المتحدة بأسعار تصل إلى أربعة أضعاف ما كانوا يدفعونه للطاقة الروسية قبل العقوبات، مما ولّد موجات احتجاج شعبية عارمة نتيجة الغلاء.
وينعكس هذا العبء مباشرة على الاستقرار الداخلي، إذ يشير بركات إلى نفاد المخزون الإستراتيجي العسكري للدول الأوروبية، وتراجع مؤشرات النمو الاقتصادي في فرنسا إلى 0.1% مع فوائد ديون سنوية تتراوح بين 70 و80 مليار يورو ، وصولا إلى استقالة رئيس وزراء بلجيكا لعجز حكومته عن توفير 10 مليارات يورو للموازنة.
التعليقات (0)