أثر اللغات في تكوين النص العربي: تلاقح الثقافات وآفاق الإبداع
في عصر يتسم بالتواصل الرقمي المتسارع والانفتاح الثقافي غير المسبوق، يتقاطع حضور اللغات المختلفة مع ملامح النص الإبداعي العربي؛ مولداً أشكالاً وتياراتٍ جديدةً تعيد رسم حدود الفكر والتعبير. من هنا، يأتي هذا الحوار، ليغوص في أعماق العلاقة الجدلية بين اللغات وتشكيل الوعي الأدبي للمبدع.
يتناول هذا الحوار محاور جوهرية تمسّ بنية النص العربي وأبعاده الفكرية والجمالية؛ بدءاً من دور تعدد اللغات في توسيع آفاق التفكير والموضوعية الثقافية، مروراً بقدرة المعجم العربي على استيعاب الألفاظ الوافدة وتجدد حيويته عبر التاريخ، وصولاً إلى استلهام الأجناس الأدبية العالمية كالرواية وقصيدة النثر، وانعكاس المشتركات الإنسانية العابرة للقارات في وجدان الكاتب وقلمه في ظل التحديات والهموم الإنسانية المشتركة.
يؤثّر امتلاك الأديب لأكثر من لغة، على تفكيره وكتابته النصّ الإبداعي، اعتماداً على أنّ لكلّ لغة خصائصها وموسيقاها وحركتها وإحساس الكاتب بها؛ هل يوسّع ذلك من مساحة تفكير المبدع ورؤيته وموضوعيّته في منتج ثقافي يحمل خصائص أكثر من لغة؟
اللغة بشكل عام هي مفتاح المعرفة، ومفتاح التواصل، ولذلك كان الاهتمام بها يأخذ بعداً وجودياً، ومن هذه البؤرة بالذات قالوا: "المرء مخبوء تحت لسانه"، و"تكلم حتى أراك"، فاللغة أداة تعبير وإبانة، وتواصل ومعرفة، وبالتالي فهي حاملة لكل هموم وأفكار من يتحدث بها، وينقلها في كتاباته وأحاديثه التي توفر مادة مهمة جدا لمن يطلع عليها، فعندما أقرأ رواية إنجليزية أو روسية أو صينية أنا أقرأ أفكارا عن تلك المجتمعات وما يدور فيها من اهتمامات وكيف تتكون شبكة العلاقات بين الأفراد وكيف يتصرفون، وموقع القيم العليا في تصرفاتهم، وما هي تلك القيم التي يعلون من شأنها، وتدفع هذه القراءات القارئ ليقارن ويوازن، مع نفسه ومجتمعه، لينظر إليهم بعين نفسه، وينظر إلى نفسه بعين هؤلاء، ليس كما يراهم فقط، بل كيف يرونه أيضاً، وبذلك يصنع المبدع مرايا لنفسه وللآخرين بفعل هذا الاطلاع، وبهذه الطريقة قد تنشأ لديه أعمال يكتبها وقد تغير فيه شيء بفعل هذا التأثر، وعلى أية حال فإن التأثر والتأثير واضح في أدب الشرق والغرب وهو تأثير متبادل من الطرفين، فعلى سبيل المثال أثرت ألف ليلة وليلة في حركة السرد العالمي، كما تأثر العالم ومنه الكتاب العرب بالأدب الرمزي أو الفنتازيا والواقعية السحرية وأدب الديستوبيا، وعلى العموم هذا مجال واسع اختصت به وبحثته لا سيما دراسات الأدب المقارن.
ولم يقف الإبداع عند التأثر بالموضوعات فما أشرت إليه هو تأثر فنيّ تقني، شامل لبناء النص وتلقيه وتفسيره، عدا أن مع كل لغة ثمة إيقاعاً للغة نفسه، يمكن أن يترك أثره في لغة الكتابة، ومن ذلك مثلا إيقاعية السرد أو إيقاعية البناء المكثف للجمل القصيرة أو الجمل الطويلة التي قد يراها المبدع مناسبة للنص الجديد، وربما تجاوز التأثير ذلك إلى صنع الصورة الكلية والجزئية على مستوى بلاغة النص المنتج. وعلى أية حال لا ينجو الكاتب من التأثر بأعمال الآخرين، خاصة الأعمال الجادة الإنسانية العابرة للثقافات واللغات، لكنه مع كل ذلك عليه أن يفكّر بلغته الأصلية وهو يكتب بهذه اللغة، فلا يفكر بلغة ويكتب بلغة أخرى.
التعليقات (0)