الانتخابات الأمريكية تتميز بهيمنة الحزبين الديمقراطي والجمهوري (مولدة بالذكاء الاصطناعي - الجزيرة)
في مساء يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول عام 1912، توجه الرئيس الأمريكي السابق ثيودور روزفلت (1901-1909) إلى سيارته في مدينة ميلووكي، في طريقه إلى إلقاء خطاب في أنصاره. وما إن استقر في المقعد الخلفي حتى تعالت أصوات مؤيديه بالهتاف والصفير، فوقف ليحييهم، فأصابته طلقة مسدس في صدره أطلقها صاحب حانة من نيويورك اسمه جون شرانك. أي رجل آخر كان سيتجه إلى المستشفى، لكن السياسي العنيد أصر على المضي إلى القاعة، حيث ألقى خطابا تجاوز الساعة والرصاصة مستقرة في صدره، وظلت حيث هي حتى مات بعدها بأكثر من ستة أعوام.
كان روزفلت ضابطا متطوعا سابقا وبطلا من أبطال حرب 1898 ضد إسبانيا، واشتهر بعناده وإصراره، فبعد أن قضى فترتيه الرئاسيتين واعتزل السياسة، ساءه أداء خلفه في البيت الأبيض، الجمهوري ويليام هاورد تافت (1909-1913)، في الأعوام الأربعة التالية إلى درجة دفعته إلى العودة من تقاعده وتأسيس الحزب التقدمي، الذي اشتهر بحزب "الأيل" لأن روزفلت قال يومها إنه يشعر بقوة أيل بري. هاجم روزفلت خلال حملته "السياسيين الفاسدين" و"الحكومة الخفية" بضراوة، ودعا إلى استعادة إرث مؤسس الحزب الجمهوري الرئيس أبراهام لينكولن (1861-1865) وتحرير السياسة الأمريكية من نفوذ رجال الأعمال، ضمن أجندة تقدمية شملت حق المرأة في التصويت ومكافحة عمالة الأطفال وقضايا أخرى.
حل الأيل ثانيا في انتخابات الرئاسة متقدما على تافت، لكن انقسام أصوات الجمهوريين أدى إلى فوز سهل لمرشح الحزب الديمقراطي وودرو ويلسون، حاكم ولاية نيوجيرسي يومها وأستاذ العلوم السياسية الذي رأس جامعة برينستون قبل ذلك. ومع أن حزب روزفلت كان أنجح تجارب الخروج على ثنائية الحزبين في تاريخ الولايات المتحدة، فإنه لم ينجح في تولي الرئاسة، ولم يكسب في الكونغرس سوى حفنة من المقاعد لم تدم (تسعة مقاعد في مجلس النواب عام 1912)، واستمرت شعبيته في التراجع حتى صار أثرا بعد عين بحلول عام 1920.
بعد أكثر من مئة عام، تكرر سجال يشبه سجال روزفلت وتافت، لكن محله هذه المرة ليس المنشورات والخطب وصفحات المجلات، بل منصة "إكس" (تويتر سابقا)، إذ اشتعل في يونيو/حزيران 2025 خلاف حاد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومستشاره المقرب إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم وصاحب شركتي تسلا وسبيس إكس ومنصة إكس نفسها، وأخذ الاثنان يتراشقان بسيل من الاتهامات، من الهدر والفساد في مشروع الموازنة إلى تلميح ماسك إلى ورود اسم ترمب في ملفات قضية جيفري إبستين، رجل المال الذي مات في محبسه عام 2019 بعد اتهامه بإدارة شبكة لاستغلال القاصرات جنسيا. وفي خضم الأزمة أعلن ماسك لأتباعه في 5 يوليو/تموز 2025 أنه أسس "حزب أمريكا" ليعيد إليهم حريتهم ويكسر "نظام الحزب الواحد" كما أسماه. وقال إن الحزب سيركز على كسب مقعدين أو ثلاثة في مجلس الشيوخ وما بين ثمانية وعشرة مقاعد في مجلس النواب، تمثل أصواتا حاسمة تضغط على الكتلتين وتجبرهما على محاولة استمالتها، بما يمنح الحزب قوة سياسية لا يُستهان بها.
اليوم لا وجود قانونيا ولا سياسيا لحزب أمريكا، فالوثيقة الوحيدة التي ظهرت باسمه لدى لجنة الانتخابات الفيدرالية في يوليو/تموز 2025 سارع ماسك إلى وصفها بالمزورة، ثم حُذفت. وبحسب ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال" في أغسطس/آب 2025 عن مقربين منه، تراجع ماسك بعد أسابيع من إعلانه لأنه أراد التركيز في إدارة شركاته، وخشي أن يسحب حزبه أصواتا من الجمهوريين، وحرص على علاقته بنائب الرئيس جيه دي فانس، وإن لم يستبعد الفكرة نهائيا. والآن، بعدها بأشهر، صار ماسك أكبر ممولي الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي التي تُجرى في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، بل أكبر ممول في الدورة كلها.
التعليقات (0)