f 𝕏 W
ستون غراماً.. حين يصبح الزيتون مسألة سيادة

جريدة القدس

سياسة منذ 18 دق 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

ستون غراماً.. حين يصبح الزيتون مسألة سيادة

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
أثارت حادثة تتعلق بكمية زيتون مقدمة لأسير فلسطيني في سجن كتسيعوت استنفاراً أمنياً وإعلامياً، حيث زار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير السجن للتأكد من مطابقة الوجبة للتعليمات الغذائية. يرى المقال أن هذه الحادثة تتجاوز مجرد تدقيق غذائي لتكشف عن محاولة السلطة إظهار السيطرة والتحكم في أبسط احتياجات الأسرى، وتحويلها إلى رسالة سياسية تعكس طبيعة العلاقة المفروضة بين السلطة والخاضعين لها، وتلمس جوهر التمييز العنصري.
أبرز النقاط

الإثنين 02 نوفمبر 2026 9:06 صباحًا - بتوقيت القدس

ستون غراماً من الزيتون، كمية لا تستحق، في الظروف العادية، أكثر من مساحة في صحن طعام. لكنها في سجن كتسيعوت في صحراء النقب استدعت وزيراً، ومفوض مصلحة السجون، ونحو ثلاثين مسؤولاً، وميزاناً أحضر خصيصاً للتأكد من أن أسيراً فلسطينياً لم يحصل على أكثر مما تسمح به التعليمات.لم تكن هناك محاولة هروب، ولا خرق أمني، ولا حادثة تستدعي هذا الاستنفار. كانت هناك حبات زيتون إضافية في وجبة أسير. ومع ذلك قطع إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي نحو ثلاث ساعات ليصل إلى السجن بعد أن تلقى صورة لوجبة قيل إن فيها ثماني حبات بدلا من ست. لم تكن المسألة أصلا عدد الحبات، بل وزنها. فالقائمة الغذائية تحدد نحو ستين غراما من الزيتون وفق رواية حازي ماركوفيتش، القائد السابق للمنطقة الجنوبية في مصلحة السجون.

ميزان وعلبة زيتون، وعملية وزن أمام الوزير، وانشغال ثلاثين شخصا بفحص الحبات ووزنها بعد أن قطعوا المسافة بسبب صورة.... ينتهي المشهد هنا، لكنه لا ينتهي كدلالة.قد تبدو الحكاية سريالية، لكنها ليست من نسج الخيال. إنها تكشف كيف تتحول أبسط احتياجات الإنسان إلى مساحة لإظهار السلطة، وكيف يتحول صحن الطعام من وسيلة لإشباع الجوع إلى ميدان لإثبات السيطرة.فليست الحكاية عن الزيتون بحد ذاته، ولا عن دقة تطبيق تعليمات إعداد الطعام. السؤال يبدأ حين تتحول هذه الإجراءات من تنظيم للحياة اليومية إلى استعراض للقدرة على التحكم فيها. الوزير لم يكن معنيا فقط بمعرفة ما إذا كانت الوجبة مطابقة للقائمة. لقد اختار أن يجعل من الحبتين الإضافيتين مناسبة لإعلان موقف سياسي، واختصر رسالته في عبارة واحدة الحكم يبدأ بالزيتون.في هذه اللحظة لا نعود أمام خلاف إداري على تطبيق تعليمات غذائية، بل أمام صورة عن طبيعة العلاقة التي يراد فرضها بين السلطة والإنسان الخاضع لها. الجوع لا يقرأ هنا كحاجة إنسانية ينبغي ضمانها، بل كمساحة أخرى لممارسة السيطرة. السؤال لم يعد: هل يحصل الأسير على غذاء كاف ومتوازن؟ بل هل حصل على أكثر مما تقرره السلطة؟هذه ليست مسألة تفصيلية إذا وضعت في سياق أوسع. فقد تناولت تقارير إعلامية وحقوقية ظروف الغذاء والاحتجاز في السجون الإسرائيلية، بما فيها شهادات عن نقص الطعام وتدهور الظروف المعيشية. وفي فبراير 2026 نشرت وكالة رويترز تقريرا نقل شهادات أسرى ومحامين بشأن نقص الغذاء، مع الإشارة إلى تعذر التحقق المستقل من جميع تلك الشهادات.لكن المفارقة تتجاوز التقارير. الزيتون في فلسطين ليس مجرد صنف غذائي. إنه جزء من الذاكرة اليومية، ومن علاقة الناس بأرضهم، ومن مواسم الحصاد التي تشكل إيقاع الحياة في القرى والبلدات. حاضر على موائد الفلسطينيين كطعام عادي، لكنه يحمل في الوعي الجمعي معنى يتجاوز قيمته الغذائية. ومن هنا تبدو الصورة أقسى، شجرة الزيتون التي ترتبط في الذاكرة الفلسطينية بالأرض والبيت والحياة، تظهر داخل السجن لا بوصفها طعاما متاحا، بل كمية تخضع للوزن والعد والمساءلة. ولحظة يتحول فيها التحكم في الاحتياجات الأساسية إلى رسالة سياسية يتباهى بها صاحب القرار أمام جمهوره.لعل أكثر ما تكشفه هذه الحادثة ليس الحرص على تطبيق تعليمات الطعام، بل نوع الإنسان الذي تستهدفه هذه التعليمات، والحدود التي يمكن أن تصل إليها السلطة حين تتعامل مع الأسير الفلسطيني باعتباره شخصا ينبغي إخضاعه، لا إنسانا ينبغي صون كرامته وحقوقه.هنا تتجاوز المسألة حدود التشدد الإداري لتلامس جوهر التمييز العنصري، أن يصبح الفلسطيني، حتى وهو خلف القضبان، مستثنى من المعاملة الإنسانية التي يفترض أن تكون حقا لا امتيازا؛ وأن تتحول احتياجاته الأساسية إلى مجال لإظهار التفوق والسيطرة، وأن يصبح تقليص ما يصل إلى صحنه رسالة سياسية تستحق الاحتفاء.ليست المشكلة في ستين غراما من الزيتون، بل في العقلية التي ترى أن التحكم في طعام إنسان وإذلاله يمكن أن يكونا دليلا على القوة. فحين تحتاج السلطة إلى ميزان لتثبت أنها لم تمنح أسيرا حبتي زيتون إضافيتين، فإن ما يستحق القياس حقا ليس وزن الزيتون، بل المسافة التي قطعتها هذه السلطة بعيداً عن أبسط معايير الكرامة الإنسانية.ستون غراماً من الزيتون، ثلاثون شخصاً. ميزان. علبة زيتون كانت كافية لكشف ما هو أثقل بكثير: كيف يمكن للعنصرية أن تتخفى خلف التعليمات، وأن يصبح الحرمان سياسة، والإذلال استعراضا للقوة.

وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)