f 𝕏 W
دماء شهداء الأردن أفشلت خطة تفتيت اللُّحمة الوطنية

جريدة القدس

سياسة منذ 52 دق 1 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

دماء شهداء الأردن أفشلت خطة تفتيت اللُّحمة الوطنية

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
شهدت الأردن حادثة إرهابية مأساوية في محافظة الكرك، حيث استهدف هجوم مسلح جنازة في كنيسة، مما أسفر عن استشهاد تسعة أشخاص وإصابة العشرات. أكدت القيادة الأردنية على رفضها القاطع للإرهاب والتصدي بحزم لمن يحاول زعزعة الوحدة الوطنية، وتمكنت الأجهزة الأمنية من القبض على المنفذين خلال 60 ساعة. أبرزت الحادثة عمق التعايش والتآخي بين مكونات المجتمع الأردني، ورفضها لأي محاولات لبث الفتنة الطائفية.
أبرز النقاط

الإثنين 02 نوفمبر 2026 9:08 صباحًا - بتوقيت القدس

الأردن، حاله كحال باقي بلاد الشام، هو أحد الأماكن النادرة في هذا العالم حيث التاريخ لا يُكتب بين سطور الكتب المدرسية فحسب، بل هو واقع نعيشه ونتنفسه كل يوم. يسكن بين حجارة شوارعنا القديمة، ورائحة بساتين التين والزيتون، وفي الإيقاع الهادئ بين امتزاج أجراس الكنيسة مع الأذان.

لطالما كانت الكرك، بحصنها المنيع وجذورها العميقة الضاربة بالتاريخ، ملاذاً تتشابك فيه فسيفساء المجتمع الأردني بإحكام وأي محاولة لفصلها هي مهمة مستحيلة، إلى أن أتى يوم الجمعة الأسود في 23 من شهر أكتوبر.على وقع أجراس الحزن، كانت كنيسة القديس جورج العجائبي في قرية حمود قضاء الكرك، والذي تحمل اسمه الطاهر معظم كنائسنا في بلاد الشام، تحتضن الوداع الأخير بين ذوي الفقيد والجسد الذي سيوارى الثرى بعد قليل، وكباقي الجنازات هي لحظة يتوقف فيها الزمن لإلقاء النظرة الأخيرة وهمسة الوداع. لكن بدلاً من ذلك، وفي لحظة تحبس الأنفاس، تحول فناء الكنيسة الأرثوذكسية إلى كابوس لا يحتمله عقل. دويَ حاد لإطلاق نارٍ عشوائي، من أسلحة قاتلة لثلاث نفوس مريضة متعطشة للدماء، لم تميز بين الشاب وبين الكبير ولم تأبه لحرمة المكان أو لحرمة الموقف، اخترق دوَيهُا صمتَ الحداد الثقيل وزجاج النوافذ، في غضون ثوانٍ تحولت أرض الكنيسة لساحة غارقة بالدماء ودبت صرخات الهلع والصدمة.وبعد انقشاع الدخان، فتح الناس أعينهم على واحدة من أبشع الفظائع التي شهدها الأردن، تسعة أرواح بريئة ارتقت، في لمح البصر، شهيدة لخالقها، حيث لا ألم ولا معاناة ولا إرهاب. أُصيب ما يزيد عن أربعين إنساناً وعاشت أمة بأكملها حالة صدمة وهلع.شهادات الناجين من الحادثة لم تخلُ من الاستهجان والذهول، أحد الرجال وصف المشهد بأنه “فجأةً، ظهر ثلاثة رجال مُلثّمين… وبدأوا يُطلقون النار عشوائياً“، واصفاً كيف أعادوا اطلاق النار على أجساد الشهداء للتأكد من عدم نجاة أحد. “كانوا مُجرّد مُعزّين في جنازة، لا أستطيع أن أتخيّل ما الذي كان يُريده الجناة… لقد كانت مجزرةً بحقّ“.كيف للعقل أن يستوعب فظاعة المشهد، أو استيعاب مأساة من هكذا حجم، بل كيف يمكن أن نشهد هكذا فاجعة في مكان يُعرف بالتعايش الطيب بين أتباع الديانات المختلفة. معالجة هذه المأساة اتخذت منحىً مختلف جذرياً وعمقاً روحياً بليغاً. طغت الحادثة على الشارع العربي والعالمي بالكامل، ووجدت المملكة الأردنية الهاشمية نفسها أمام مهمة وجودية لمواجهة من يحاول أن يُشكك في هويتها، وأن يبث النعرات الطائفية بين أبناء الوطن الواحد. وأتى الردُّ فورياً حاسماً جازماً لا لُبسَ فيه، ومن فم جلالة الملك بالتحديد، "الاعتداء على أي أردني هو اعتداء على المجتمع بأسره" وبأنه "لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواح الأردنيين"، وأن "يد العدالة ستطول كل إرهابي". فلم تكتفِ المملكة بإعلان الحداد الوطني ثلاثة أيام، وتنكيس الأعلام، والحضور الملكي الشخصي من جلالة الملك عبدﷲ الثاني وزوجته الملكة رانيا، وولي العهد الأمير الحسين بن عبد ﷲ وزوجته الأميرة رجوى، والأميرة سلمى والأمير غازي لأداء واجب العزاء للعائلات الثكلى، وزيارة جلالة الملك لمصابي الهجوم الإرهابي في المستشفى في ذات يوم الحادثة.بل جاء الرد أيضاً في الميدان، وتنفيذاً للوعد الملكي، وخلال 60 ساعة من العمل والبحث المتواصل تمكنت القوى الأمنية من تحديد موقع وإلقاء القبض على منفذي هجوم الجمعة السوداء الإرهابي.الرسالة واضحة، لا هوادة فيها، لن تُنتهك حرمة وأمن الشعب الأردني دون عقاب، ومن تسول له نفسه أن يتخذ من دماء الأبرياء جسراً ظناَ منه أنه يتقرب من الله، فالله من أفعالهم براء. ومع ذلك، فإن الدفاع الأعمق عن كنيسة القديس جورج وشهدائها تجلى في الموروثات القيمية وثقافة العيش المشترك والاحترام المتبادل الراسخة بين شركاء الوطن الواحد. وفي منطقة تتمزق من الانقسامات الطائفية والحرب المذهبية، قد ذكّرها الأردن بحقيقة أعمق، متأصلة في النسيج الروحي والقيمي للبلاد، وهي عندما يتأذى مكون من مكونات الوطن، كذلك يتأذى الوطن أجمع.وهذا ما بدا جلياً يوم تشييع الشهداء أمام مدخل الكنيسة التي تعرضت للاعتداء في مشهد الجنازة المؤلم التي شارك فيها حضور كثيف ومكلوم من كافة أطياف المجتمع الأردني، والكركي بالتحديد، وترأسها صاحب الغبطة بنفسه البطريرك ثيوفيلوس الثالث، تلاها زيارة أبوية من شخصه لجرحى الهجوم الإرهابي في المُستشفيات التي يتلقون فيها العلاج.لفهم الغرض وراء هذا العمل الإرهابي، يجب أولاً فهم الأساس المبني عليه المجتمع الذي سعت هذه الفظائع لتفتيته، والذي تحاول جيوش إلكترونية، حتى من بعد وقوع الفاجعة، دب الفتنة والترويج لأفكار ضالة، بأن المسيحيين لا يجوز الترحم عليهم أو اعتبار ضحاياهم شهداء. للتذكير فقط، ومعلومة لمن لا يعلم، أو أعمى الكره قلبه، فجزء أساسي من الإسلام تبجيل سيدنا يسوع المسيح (عيسى ابن مريم) وأمه البتول الطاهرة مريم.ولسيدتنا مريم عليها السلام حظوة استثنائية ومكانة فريدة في القرآن الكريم لا تشابه أيّاً من النساء، وهي أنها المرأة الوحيدة التي ذكرت باسمها صراحة بدلاً من ذكرها أم عيسى، على سبيل المثال، كما جرت العادة القرآنية في حق باقي النساء على ذكرهن بالوصف أو النسبة، مثل: "امرأة فرعون"، "أم موسى".. إلخ. وكذلك هي المرأة الوحيدة التي سُميت سورة كاملة باسمها (سورة مريم)، ما يعكس مكانتها العالية في القرآن باعتبارها سيدة نساء العالمين في التاريخ الإنساني. وأما بالنسبة لابنها، سيدنا ومخلصنا يسوع المسيح (عيسى بن مريم)، فينفرد بخصائص ومؤيدات تعبر عنها النصوص القرآنية بدقة متناهية، أذكر منها أنه وحده لُقِبَ بـ"كلمة الله" و"روحٍ منه": "إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّه وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ" (سورة النساء: 171). كذلك وردت معجزاته من إبراء لأمراضٍ مستعصية وإحياء للموتى، كما يُجمع المسلمون جميعاً على أن المسيح سينزل بسلطانه الى الأرض مجدداً في آخر الزمان (قبل قيام الساعة) ليحكم بالعدل. فإن كان القرآن الكريم يولي هذه الأهمية لشخص السيد المسيح ووالدته، فكذلك يولي احتراماً وصوناً لأتباع هذه الديانة وأتباع هذا الإيمان على أنهم "أهل الكتاب". وبينما بدأت العائلات الثكلى بلملمة أنفسها وتقديم قُبل الوداع لشهدائها المغدورين، تشابكت كثير من أيدي المسلمين والمسيحيين معاً، وتلاقت الصلوات وعلت جوقة مدوية من الوحدة والتعايش لإغراق الأصوات الفتنوية والمتطرفة التي لا تشبه الأردن ولا تشبه طباعه.ووحدة الصوت والكلمة، حتى من القلوب المحترقة لأهالي الشهداء، كانت رسالتهم على قدر ما امتلأت حزناً وألماً، امتلأت تشبثاً واصراراً بالبقاء في أرضهم، والصلاة في كنيستهم، ومواجهة هذا الفكر المتوحش بالجسد الحي، لأننا، كقدوتنا ومثلنا الأعلى يسوع ابن مريم، لا نتسلح إلا بالإيمان والعقيدة الثابتة والصبر على الابتلاء، "لأن لأولئك ملكوت السماوات".وختاماً، لقد تعرض مسيحيونا في الأردن لضربة قاسية، ولكنهم بصبرهم وإيمانهم يثبتون أنهم عصيون على الانكسار، وفي مواجهة الظلام أشعلوا بآلامهم وجروحهم شمعةً تتوهج إصراراً وتشبثاً بالحق.

وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)