في زاويةٍ صامتة من غرفة العناية المركزة في مستشفى شهداء الأقصى يقف الأب أبو أحمد درويش؛ لا يرفع صوته، ولا يسأل الأطباء، ولا يطلب شيئًا. فقط ينظر. عيناه معلّقتان بوجه ابنته، ودموعه تنزل ببطءٍ كأنها تخشى أن تزعج الأجهزة التي تُبقيها حيّة. يهمس باسمها دون صوت: حلا… ثم يصمت، كأن الكلمات خانته في أكثر اللحظات حاجةً إليها.
على السرير الأبيض، ترقد حلا درويش، 23 عامًا، بلا حركة. جسدها الصغير محاط بأسلاكٍ وأنابيب، ورأسها الذي كان يُزيَّن قبل أيام بأحلام الزفاف، اخترقته رصاصة. لم تكن في ساحة قتال، ولم تكن تحمل شيئًا سوى تفاصيل يومٍ عادي داخل خيمتها في مخيم المغازي وسط قطاع غزة.
قبل أيام قليلة فقط، كانت حلا تعدّ الأيام. الأول من مايو كان موعدها مع الفرح. فستانها جاهز، تفاصيل العرس شبه مكتملة، والبيت كان يستعد لاستقبال ليلةٍ طال انتظارها. كانت تتحدث عن لون الزينة، وعن الأغاني التي تحبها، وعن بيتٍ صغير تحلم أن تبدأ فيه حياتها.
في لحظةٍ خاطفة، اخترق الرصاص رأسها، لتسقط قبل أن تفهم ما الذي حدث. نُقلت إلى المستشفى، ومنذ تلك اللحظة، لم تفتح عينيها. الأطباء قالوا إن حالتها حرجة، والعائلة تمسكت بخيطٍ رفيع من الأمل، كأنها تحاول أن تؤجّل الحقيقة.
إلى جانب السرير، يجلس خطيبها محمد الشريحي. لا يتكلم كثيرًا. يكتفي بالنظر إلى ملامحها، يحاول أن يقرأ فيها أي إشارة، أي حركة، أي وعدٍ بالعودة. كان قد اشترى لها باقة ورد تحبها، وكان ينتظر أن يراها بفستانها الأبيض. الآن، يجلس أمامها، ينتظر أن تفتح عينيها فقط.
في الخارج، لا يتوقف العالم. القصف مستمر، والأخبار تتوالى، والأرقام تكبر. لكن داخل هذه الغرفة، الزمن متجمّد عند لحظة واحدة: لحظة ما قبل الزفاف.
💬 التعليقات (0)