f 𝕏 W
حرية التفكير والشراكة في بناء المستقبل

راية اف ام

سياسة منذ ساعة 0 9 د قراءة
زيارة المصدر ←

حرية التفكير والشراكة في بناء المستقبل

تتقدم المجتمعات حين تحسن الاستفادة من عقول أبنائها، وتتيح لأفكارهم طريقًا إلى النقاش والتأثير. فالموارد والخطط والطموحات تحتاج إلى بيئة يطمئن فيها الإنسان إلى أن سؤاله ورايه موضع احترام، واجتهاده قابل للنقاش، ومشاركته ذات أثر. ومن العلاقة بين حرية التفكير ومسؤولية المشاركة تتشكل قدرة المجتمع على التعلم والنهوض والتقدم، وتنضج مؤسساته، وتتسع آفاق مستقبله. وتُقرّ الدساتير والمواثيق الحقوقية حرية التفكير والتعبير، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في تحويل الضمانات المكتوبة إلى ممارسة مستقرة. فالنص يحتاج إ.

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
يؤكد الأستاذ الدكتور ضرار عليان على أن تقدم المجتمعات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإتاحة حرية التفكير والنقاش لأبنائها، مع ضرورة اقتران هذه الحرية بالمسؤولية والمشاركة الفعالة. ويشدد على أن تحويل الضمانات القانونية لحرية التعبير إلى ممارسة مستقرة يتطلب ثقافة مؤسسية تحترم السؤال والاختلاف، مما يعزز قوة الدولة وموثوقية مؤسساتها. كما يشير إلى أن الشراكة في صنع القرار، المستندة إلى تنوع الخبرات والمعارف، تساهم في تحسين جودة العمل وخدمة المصلحة العامة.
أبرز النقاط
قارن التغطية هذا الخبر نُشر في 2 مصادر مختلفة — اطّلع على كل التغطيات جنباً إلى جنب جديد: مرايا الأخبار — كيف اختلفت صياغة المصادر بالذكاء الاصطناعي ›

الكاتب: الأستاذ الدكتور ضرار عليان

تتقدم المجتمعات حين تحسن الاستفادة من عقول أبنائها، وتتيح لأفكارهم طريقًا إلى النقاش والتأثير. فالموارد والخطط والطموحات تحتاج إلى بيئة يطمئن فيها الإنسان إلى أن سؤاله ورايه موضع احترام، واجتهاده قابل للنقاش، ومشاركته ذات أثر. ومن العلاقة بين حرية التفكير ومسؤولية المشاركة تتشكل قدرة المجتمع على التعلم والنهوض والتقدم، وتنضج مؤسساته، وتتسع آفاق مستقبله. وتُقرّ الدساتير والمواثيق الحقوقية حرية التفكير والتعبير، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في تحويل الضمانات المكتوبة إلى ممارسة مستقرة. فالنص يحتاج إلى قضاء مستقل يصونه، وإجراءات تكفل إنفاذه، وثقافة مؤسسية تحترم السؤال والاختلاف. وحين تتسع الفجوة بين الحقوق المعلنة وإمكان ممارستها، تتراجع الثقة بالمؤسسات، وتضعف قدرتها على اكتشاف الخلل وتصحيحه.

إن صون الحريات قانونيًا ودستوريًا يعزز قوة الدولة وقدرتها وموثوقية مؤسساتها. فالمؤسسة تحتاج إلى معلومات دقيقة، وآراء متنوعة، وقنوات تتيح المراجعة والمساءلة. وكلما استطاع الناس التعبير عن تجاربهم وملاحظاتهم بثقة، امتلك صاحب القرار صورة أوضح عن الواقع. وتزداد قيمة الضمانات حين يعرف المواطن كيف يمارس حقه، وإلى أي جهة يلجأ إذا انتُقص منه، وكيف تُعالج شكواه بإنصاف. وتظهر أهمية هذه المساحة في تفاصيل العمل اليومي. لنتصور مؤسسة تستعد لإطلاق مشروع، ويلاحظ أحد مختصيها خللًا في تقدير الكلفة أو أخطار التنفيذ. إذا تردد في عرض ملاحظاته خشية إساءة فهمها، فقد تفقد المؤسسة فرصة معالجة المشكلة مبكرًا. أما إذا وجد من يستمع إليه ويفحص رأيه، فقد يسهم في تعديل المشروع وتوفير المال والوقت. في هذا الموقف تصبح حرية الرأي وسيلة لتحسين الإدارة، ويصبح الإصغاء مهارة قيادية تحمي المصلحة العامة. ومن هنا تنشأ مسؤولية القيادة في بناء بيئة تتسع للاجتهاد. فالموظف الذي يعرف أن رأيه المهني سيُناقش بإنصاف يكون أكثر استعدادًا للمبادرة وتحمل المسؤولية. والمؤسسة التي تعتمد معايير واضحة لتقييم المقترحات تستطيع الاستفادة من خبرات العاملين فيها، وتقل فيها مساحة التخمين بشأن ما يرغب المسؤول في سماعه. هكذا تتقدم جودة العمل، ويكتسب الانتماء المؤسسي معناه من الإسهام والثقة. ولهذه الثقافة أصل أخلاقي راسخ في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة»؛ وهو حديث رواه مسلم. فالنصيحة تحمل معنى الإخلاص والحرص على الصلاح، وتقتضي من صاحبها صدقًا وإنصافًا، ومن متلقيها استعدادًا للاستماع والمراجعة. وفي الحياة المؤسسية تتجسد هذه القيمة في إبداء الملاحظة المهنية بأمانة، وتلقيها باحترام، وفحصها على أساس ما تضيفه إلى جودة العمل وخدمة الناس. وتنضج ممارسة الحرية حين تقترن بالمسؤولية والاستعداد لمراجعة الذات؛ فمن يطالب بحقه في التعبير يتحمل مسؤولية الاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف معه. والحوار الحقيقي يقتضي أن ندخل النقاش مستعدين للفهم وإعادة النظر، وأن نقبل احتمال أن تكشف حجة الآخر جانبًا غاب عنا. واحترام صاحب الرأي لا يستلزم الموافقة على رأيه، كما أن نقد الفكرة لا ينتقص من كرامة صاحبها. ومن هنا يستمد النقد المسؤول قيمته الى الوقائع، وانصاف المخالف، ويتيح الرد، ويُبقي تصحيح الموقف ممكنًا. وتظل الحماية القانونية لحرية التعبير حقًا، فيما تمثل هذه المسؤولية الأخلاقية سبيلًا إلى إنضاج ممارستها. فالحرية تكتسب أثرها البنّاء حين تساعدنا على مراجعة أنفسنا بقدر ما تتيح لنا مناقشة الآخرين. وتبدأ هذه الثقافة في البيت حين يُؤخذ سؤال الطفل بجدية، وفي المدرسة حين يتعلم الطالب كيف يناقش ويستدل، وفي الجامعة حين يُحتكم إلى المنهج والدليل. فالقدرة على التفكير المستقل تنمو بالممارسة، وتحتاج إلى تربية تجمع بين الثقة بالعقل والاستعداد لمراجعة القناعة. وفي التراث المسيحي، يرد قول بولس الرسول: «امتحنوا كل شيء. تمسكوا بالحسن» [تسالونيكي الأولى ٥: ٢١]. ومع مراعاة سياقه الديني، يمكن الاستئناس بهذا التوجيه في تقدير قيمة الفحص والتمييز؛ فالتعليم ينضج حين يتيح للإنسان أن يسأل ويتثبت، وأن يبني قناعته على فهم، ويظل مستعدًا لمراجعتها في ضوء المعرفة. ولنتصور طالبًا جامعيًا توصّل في بحثه إلى نتيجة تختلف عما يتبناه أستاذه. حين تُناقش النتيجة على أساس الأدلة وسلامة المنهج، يتعلم الطالب أن المعرفة تتقدم بالفحص والمراجعة، وأن الاختلاف يمكن أن يكون منتجًا. ومن هذه العلاقة تتشكل شخصية قادرة على الحوار، وعلى تقديم رأيها بثقة وقبول تصحيحه بوعي. وفي تقدير الخبرة العملية، يضيء قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، الوارد في صحيح مسلم في سياق تأبير النخل، أهمية معرفة أهل الاختصاص في شؤون خبرتهم. ويمكن الاستئناس بهذا المعنى في تأكيد ضرورة الإصغاء إلى الباحث والمختص وصاحب التجربة؛ فالمؤسسات تستفيد من المعرفة حين تمنح أصحابها فرصة عرضها ومناقشتها، وتختبر المقترحات بالدليل والنتائج.ومن التشريعات التي اخذت وقتا طويلا في إقرارها على سبيل المثال إجازة الأمومة وحقوق رعاية الأسرة في البرلمان البريطاني والتي تم إقرارها عبر مراحل تشريعية متتالية امتدت من أوائل القرن العشرين وحتى أواخر القرن، وتمت باشراك كل ذوي العلاقة من أمهات وأخصائي الأطفال حديثي الولادة وأصحاب العمل ولم تصدر في قانون واحد مفاجئ. ولهذا تقع على الجامعة مسؤولية تتجاوز منح الشهادات. فهي تسهم في إعداد الإنسان الذي يستطيع فهم المشكلات، واختبار الحلول، والعمل مع الآخرين رغم اختلاف وجهات النظر. وما يتعلمه الطالب من احترام للحجة والإنصاف في النقاش ينتقل معه إلى المهنة والإدارة والشأن العام. وبقدر ما تنجح الجامعة في ترسيخ هذه القيم، يتسع أثرها في بناء مؤسسات أكثر كفاءة ونضجًا. وتكتسب حرية التعبير أثرًا أعمق حين ترتبط بالشراكة في صنع القرار. فالناس يحملون معرفة مباشرة باحتياجاتهم، والعاملون يمتلكون خبرة بتفاصيل أعمالهم، والمختصون يستطيعون تقدير البدائل وآثارها. وإتاحة المجال أمام هذه المعارف لتلتقي وتمنح القرار أساسًا أوسع، وتساعد على كشف جوانب قد تغيب عن زاوية نظر واحدة. وتجد الشراكة أساسًا واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وفي توجيهه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وفي سفر الأمثال، وهو من النصوص الدينية المشتركة بين اليهودية والمسيحية، ورد: «أما الخلاص فبكثرة المشيرين» [الأمثال ١١: ١٤]. ويمكن الاستئناس بهذه النصوص، كلٌّ في سياقه، في إبراز قيمة التشاور والاستفادة من تعدد الخبرات عند تدبير الشأن المشترك. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة الى ان من تؤخذ مشورتهم هم من ذوي الاختصاص والمهنية وليس ممن لا علاقة لهم بذلك عملا بقول الرسول صل الله علية وسلم "اذا وسد الامر الى غير اهله فانتظروا الساعة". وهذا الحديث مدعاة الى ان يكون الموقع مناسبا لشخص الذي سيشغله لا ان يتم الاختيار لاعتبارات غير الكفاءة والمهنية. ولنتصور مجلسًا بلديًا يوازن بين تجميل أحد المداخل، وصيانة شبكة المياه، وتحسين وصول ذوي الإعاقة إلى المرافق العامة. قد تكشف مناقشة السكان أن انقطاع المياه يفرض أعباء يومية على الأسر، أو أن مرفقًا قائمًا يتعذر على بعض المواطنين استخدامه. تضيف المشاركة هنا معرفة تساعد على ترتيب الأولويات، وتجعل الموازنة أقرب إلى حياة الناس. كما تتيح للسكان فهم القيود المالية والفنية التي تعمل ضمنها البلدية، فتغدو المسؤولية أكثر وضوحًا لدى الطرفين. وتتحقق الشراكة حين تتاح للمشاركة فرصة فعلية للتأثير في القرار، منذ تحديد المشكلة وترتيب الأولويات، وصولًا إلى مناقشة البدائل ومتابعة النتائج. ويقتضي ذلك إتاحة المعلومات في الوقت المناسب، وتوضيح كيفية التعامل مع المقترحات وأسباب الأخذ بها أو استبعادها. فالمشاركة التي تستوفي إجراءات الاستماع بينما تبقى الخيارات محسومة سلفًا قد تضعف الثقة بجدوى الحوار. أما المشاركة المؤثرة فتربط الإسهام بتحمل المسؤولية، ضمن قواعد تحدد من يملك صلاحية القرار، ومن يتولى التنفيذ، وكيف تُراجع النتائج وتُمارَس المساءلة. ولا تعني المسؤولية المشتركة ذوبان المسؤوليات الفردية؛ إذ تظل كل جهة مسؤولة عن الصلاحيات المسندة إليها. وقد ينتهي النقاش إلى قرار لا يوافق عليه الجميع، لكن عدالة إجراءاته ووضوح أسبابه يعززان الثقة، مع بقاء المجال مفتوحًا للتقييم والتصحيح. وفي المرجعية الوطنية الفلسطينية، أكدت وثيقة إعلان الاستقلال الصادرة عام ١٩٨٨ «حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب»، ونصّت على «سيادة القانون والقضاء المستقل». وربطت صورة الدولة المنشودة بصون الكرامة والمساواة واحترام التعددية. وهذه المبادئ تضع أمامنا مسؤولية ترجمتها إلى إجراءات وممارسات يشعر المواطن بأثرها في حياته وعلاقته بالمؤسسات. وتكتسب هذه المسؤولية وزنًا خاصًا في الحالة الفلسطينية؛ فمواجهة الاحتلال وتعزيز الصمود وبناء مؤسسات قادرة على خدمة الناس تتطلب الاستفادة من أوسع طيف من الخبرات والطاقات. وقسوة الظروف تزيد الحاجة إلى نقاش وطني مسؤول، يوازن الخيارات ويقدّر الإمكانات ويستخلص الدروس. فكل معرفة تُضاف إلى القرار، وكل كفاءة تجد مجالًا للعمل، تمثل رصيدًا في القدرة الوطنية على مواجهة التحديات. وتترسخ الشراكة الوطنية حين يجد المواطن موقعه في المسؤولية العامة، ويشعر بأن كرامته مصونة، وأن كفاءته تحظى بالتقدير، وأن رأيه يُناقش بإنصاف. ويحتاج الشباب والنساء وأصحاب الخبرة العلمية والمهنية إلى فرص فعلية للإسهام والتأثير. فالمجتمع يستفيد من تنوع تجاربه حين يفتح قنوات منتظمة لوصولها إلى مؤسساته، ويعتمد الجدارة أساسًا لتولي المسؤولية. وللصحافة دور أساسي في إنضاج هذه العلاقة. فهي تنقل أثر القرارات في حياة الناس، وتعرض القضايا من زوايا متعددة، وتطرح الأسئلة التي يحتاج المجتمع إلى إجابات عنها. وحين تلتزم التحقق والإنصاف والاستقلال المهني، تمنح الحوار العام أساسًا من المعرفة، وتساعد المؤسسات على رؤية نتائج أعمالها بوضوح أكبر. وحماية هذا الدور تصب في مصلحة المجتمع والدولة معًا. إن بناء المستقبل يتطلب أن تتحول معارف الأفراد وخبراتهم إلى عمل مؤسسي مشترك. وهذا التحول يحتاج إلى ثقة تتيح قول الرأي، وضمانات تحمي صاحبه، واستعداد لمراجعة الذات، وآليات تصل المشاركة بالقرار والمساءلة. وعندما تتوافر هذه الشروط، تصبح المؤسسة أقدر على التعلم والتجدد، ويصبح المواطن أكثر استعدادًا للإسهام وتحمل المسؤولية. بعقول حرّة وإرادة مشتركة تُبنى الحضارات؛ حين يجد الفكر فرصة للتعبير، ويجد الاختلاف احترامًا، وتجد المشاركة أثرًا في القرار. عندها يستطيع الإنسان أن يمنح وطنه أفضل ما لديه، وتستطيع مؤسسات الدولة أن تستمد من ثقة مواطنيها ومعرفتهم قوةً للصمود والتقدم.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)