كان صيف بيروت يمارس سحره على السياسة والثقافة والسياحة، وبينما يلتف صوت فيروز حول آذان الذين استيقظوا ليعدوا قهوتهم الصباحية مع أغانيها، كانت مقاهي شارع الحمراء تستعد ليوم جديد، وكانت الأسابيع الأخيرة من رئاسة فؤاد شهاب تتسارع نحو نهايتها، ليصبح شارل حلو رئيسا بعد أن انتخبه البرلمان قبل أسابيع.
في واحد من تلك الصباحات المبهجة، وفي أحد مستشفيات قلب بيروت، انطلقت الصرخات الأولى لطفل نصف بريطاني ونصف أمريكي، يدعى "كيانو"، وابتسمت باتريشيا الإنجليزية أخيرا بعد أن رأت وجها بريئا سوف يكتب له القدر رحلة طويلة بين أستراليا والولايات المتحدة، ثم يستقر في تورونتو بكندا، حيث نشأ وترعرع.
وكما تسكن بيروت قلوب عاشقيها، اكتسب "كيانو" قدرة مدهشة على جذب القلوب، وكما تتلون بيروت بين الصباحات والمساءات والشتاء والصيف، استطاع كيانو أن يكتشف وجوها وشخصيات متعددة داخل روحه، فقدمها على الشاشة، وصنع بها جماهيرية كبيرة، لكن خلف وجه الممثل ونجم أفلام الحركة والقتال سكن قلب كبير، علمه الترحال أن الباقي هو الإنسان.
يغيب الأب مبكرا عن حياته، بينما تتبدل البيوت والوجوه المحيطة به، ويتنقل بين أربع مدارس ثانوية خلال خمس سنوات، دون أن يجد طريقا دراسيا مستقرا. ويجد في هوكي الجليد مساحة يبرع فيها، فيقف حارسا للمرمى، وتبدو أمامه فرصة لمواصلة اللعب.
لكن اهتمامه يتجه إلى التمثيل، الذي يبدأ تلقي دروسه في مراهقته، ثم يختبره على خشبات المسرح وأمام كاميرات التلفزيون الكندي. يغادر تورونتو إلى لوس أنجلوس بحثا عن فرصة في السينما، حاملا معه خبرة البدايات، قبل أن يتعرف الجمهور إلى الشاب الذي سيصبح "تيد"، ثم "نيو"، ثم "جون ويك".
وتمنحه هذه المسيرة مكانة تتجاوز صورة النجم المحبوب، فقد تجاوزت إيرادات الأفلام التي شارك فيها 4.5 مليارات دولار، وحصد "ماتريكس" الذي أدى بطولته أربع جوائز أوسكار في التخصصات الفنية.
التعليقات (0)