فاتحة القراءة: الحكاية في مواجهة مراياها
تفتح مجموعة «متاهة حمراء» للمتوكل طه عتبة سردية تتشابك عندها مسالك الحكاية، وتعبر منها القصة القصيرة إلى فضاءات رحبة تتجاور فيها الواقعة والغرابة، والسخرية المريرة والفجيعة الإنسانية، واليومي المعيش والأسطوري المتخيل. وتضم المجموعة خمسين نصًا تتفاوت أطوالها وتتعدد تقنياتها الفنية، لتنسج عالمًا سرديًا تتنازعه رغبتان عميقتان: رغبة حارقة في الإمساك بوجع الواقع الفلسطيني، بما يكتنفه من قسوة وتعقيد، ورغبة موازية في تحرير هذا الواقع من أطر تمثيله المباشر، وإطلاق طاقاته الكامنة على التشكيل والتخييل والتأويل.
ومنذ عتبة العنوان، توشج «متاهة حمراء» بين دلالتي الضياع والدم، وتستدعي ما يتصل بهما من صور النار والشهوة والاحتجاج والثورة. وتتسع هذه الدلالات عبر النصوص حتى تبلغ ذروتها في الحكاية الختامية «متاهة الكلام»، حيث ينتقل التأزم من جغرافيا الأحداث إلى بنية السرد ذاتها، ويصبح الكلام فضاء تتزاحم فيه الروايات المتعارضة، وتتدافع الأصوات على امتلاك الحقيقة وتفسيرها.
وتتبدى خصوصية هذه التجربة في تنوع أشكالها؛ فمن نصوصها ما يتكئ على الحكاية الواقعية، ومنها ما يستثمر المفارقة الساخرة، ومنها ما يختزل عالمًا كاملًا في مشهد خاطف أو صورة غرائبية. وعلى امتداد هذه المسالك ينهض سؤال يتجاوز مصائر الشخصيات: كيف يُروى التاريخ حين تتنازع عليه الذاكرة والسلطة والخيال؟ وأي حقيقة تبقى حين تصبح الرواية عنها جزءًا من الصراع على معناها؟
أولًا: بلاغة المفارقة… انقلاب الأشياء على معانيها
تشكل المفارقة عصبًا فنيًا بارزًا في المجموعة؛ إذ يعمد الكاتب إلى بناء مواقف تبدو عادية ومألوفة، ثم يدفعها نحو نهايات كاشفة تعري اختلالات الوجود السياسي والاجتماعي والأخلاقي، وتضع القارئ أمام الهوة بين الشعارات والممارسات، وبين ما تعلنه الأشياء وما تؤول إليه.
التعليقات (0)