أمد/ لطالما قامت العلاقات الدولية والقانون الدولي على ثنائيات فكرية واضحة؛ سلم أم حرب، عدوان أم دفاع، قانوني أم غير قانوني قوة، القانون أو قانون القوة، تدخل أم عدم تدخل. هذه الثنائيات، رغم قوتها التفسيرية، اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً؛ واقع لم يعد يحتمل الحصر في خانات محكمة الإغلاق. هنا برز مفهوم "المنطقة الرمادية" كتعبير عن هذا الإحباط التحليلي والقانوني معاً؛ غير أن ثمة سؤالاً جوهرياً يسبق أي تحليل؛ هل "المنطقة الرمادية" اكتشاف لظاهرة موضوعية جديدة، أم أنها اختراع خطابي يسمح بتبرير فشل القانون الدولي في أداء وظيفته الأساسية؛ هذا السؤال سيظل معلقاً كظل ناقد على كل ما سيأتي لاحقاً في هذا المقال. إن الدخول في تحليل (المنطقة الرمادية) يتطلب شجاعة نقدية نادرة، ذلك أن معظم ما كتب عنها يُقرأ كتكرار مذعور لخطاب أمني غربي، تجد فيه بروكسل وواشنطن تفسيراً "علمياً" لعجزها عن ردع خصومها الاستراتيجيين، ولكن المنطق يقول؛ إذا كنت لا تستطيع ردع خصمك، فاخترع فئة جديدة تصف سلوكه بأنه "رمادي"، وبالتالي يصبح عجزك عن الرد فطرياً وليس تقصيرياً. أولاً: النشأة والجذور لمفهوم المنطقة الرمادية. لم يولد مفهوم المنطقة الرمادية في مختبرات القانون الدولي، بل في أروقة وزارات الدفاع ومراكز الأمن القومي؛ تحديداً في الولايات المتحدة الأميركية، حيث سعت دوائر البنتاغون والمجمعات الفكرية المرتبطة به إلى توصيف التحديات الجديدة التي واجهتها بعد انتهاء الحرب الباردة. كانت الفكرة الأساسية بسيطة؛ هناك أنشطة عدائية لا تصل إلى عتبة الحرب، ولكنها تتجاوز عتبة التنافس السلمي التقليدي، بين هاتين العتبتين، هناك (مساحة رمادية)، تتحرك فيها القوى الكبرى الصاعدة مثل روسيا والصين وإيران وغيرهما. لكن السردية التاريخية تحتاج إلى تدقيق؛ فالحقيقة أن المنطقة الرمادية ليست جديدة؛ما كان يسمى في أدبيات الحرب الباردة "الحروب بالوكالة" أو "العمليات السرية" أو "الحروب الأهلية المدعومة خارجياً" هو نفسه تقريباً ما يسمى اليوم "العمليات في المنطقة الرمادية"؛ لكن الفرق أن الحرب الباردة كانت تمتلك إطاراً تفسيرياً واضحاً؛ صراع أيديولوجيات عظمى بين قطبين، وكل طرف منهم يفعل ما يفعله دفاعاً عن قيمه ومصالحه. أما اليوم، ومع انهيار الثنائية القطبية واندثار الاتحاد السوفييتي، صار من الصعب تبرير ما تفعله الدول الكبرى باسم "الدفاع عن الحرية وشماعة حقوق الإنسان " أو "نصرة الاشتراكية أو الرأسمالية"، فجاء مفهوم "المنطقة الرمادية" ليسد فراغاً سردياً. يجدر الإشارة،أن الأكاديميون الذين تبنوا المفهوم أضافوا إليه طبقات من التعقيد، فبعضهم رأى فيه وسيلة لفهم "ما بين السلم والحرب"، والبعض الآخر اعتبره حالة من "المنافسة المستمرة دون صدام مباشر"، وفريق ثالث ذهب إلى أنه ليس سوى تعبير عن أزمة الثقة في المؤسسات الدولية القائمة وضعف دور الامم المتحدة في تنفيذ قواعد القانون الدولي وشلل عمل مجلس الامن الدولي بسبب كثرة استخدام حق النقض الفيتو؛ كل هذه التعريفات تحمل شيئاً من الصحة، لكنها جميعاً تعاني من عيب واحد هو (التطابقية). فما ينطبق على حالة في أوكرانيا،قد لا ينطبق على حالة في بحر الصين الجنوبي، وما يصلح لتفسير تصرفات روسيا قد يفسد إذا طبق على إيران وما يحدث في فلسطين قد يفسد إذا طبق في اروبا. ثانيا:الأبعاد الثلاثة للرمادي-تشابك الغموض 1-الغموض التكتيكي. لعل أخطر ما في العمليات الرمادية أنها تُصمم لتكون غامضة التكتيك؛ بمعنى أن الدولة المنفذة تبذل جهداً منظماً لجعل المراقب الخارجي عاجزاً عن التصنيف؛ هل ما يحدث عمل عسكري أم شرطي؛ وهل هو غزو أم "عملية إنسانية"؛ وهل هو ضم للأراضي أم "لم شمل قومي"، هذا الغموض ليس عرضياً، بل هو جوهر الاستراتيجية للمنطقة الرمادية. الدولة التي تريد إنجاز مكاسب استراتيجية دون دفع ثمن الحرب تدرك تماماً أنها إذا جعلت أفعالها قابلة للتصنيف الواضح، فإنها ستواجه رداً واضحاً. لذا تعمد إلى خلق حالة من "الارتباك التصنيفي" تترك الخصم محتاراً؛ هل أرد؛وإذا رددت، كيف سيكون الرد؛هل سيكون متناسباً أم مفرطاً. مثال على ذلك، ما فعلته روسيا في شبه جزيرة القرم عام 2014. القوات التي انتشرت في شبه الجزيرة كانت ترتدي زياً عسكرياً بدون شارات، وكانت تحمل أسلحة روسية الصنع وتستخدم آليات عسكرية روسية، لكنها من جانب القانون الدولي كانت غير معروفة"ليست قوات روسية رسمياً"؛كانت تسمى "الرجال الخضر الصغار"، وكأن هذا الاسم اللطيف يحول عدواناً عسكرياً إلى ظاهرة طقسية لا تستحق الرد. هذا هو الغموض التكتيكي في أقصى درجاته؛ الإجراءات العسكرية مصممة لتكون واضحة بما يكفي لتحقيق أهدافها، وغامضة بما يكفي لتعطيل أي رد قانوني أو عسكري. 2-غموض الإسناد البعد الثاني للرمادي هو صعوبة إسناد الفعل إلى فاعل محدد. هذه معضلة قديمة؛ قَدُمَت مع أول عملية سرية في التاريخ ؛لكنها وجدت في عصر التحول الرقمي أرضاً خصبة لم يسبق لها مثيل؛ اصبحت الهجمات السيبرانية هي النموذج الأكثر وضوحاً. عندما تُهاجم شبكة كهرباء أوكرانية ويتم تحويل حمولاتها في منتصف الشتاء، أو عندما تُخترق قواعد بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، أو عندما تُسرق براءات اختراع من شركات أوروبية، تبقى الأسئلة معلقة؛ من نفذ؛ وهل كان جهة حكومية أم مجموعة قراصنة مستقلة؛إذا كانت مجموعة هكرز، هل كانت مدعومة من دولة أم لا؛ وإذا كانت مدعومة، فهل علمت الدولة بذلك وباركته، أم أن المجموعة تصرفت بمبادرة منها. واقع الحال أن البنية التقنية للإنترنت في ظل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة تجعل من المستحيل تقريباً الإجابة عن هذه الأسئلة بيقين مطلق. تستخدم الجهات المهاجمة شبكات من الخوادم الوسيطة وعناوين IP مخفية ومتغيرة، وتقنيات إخفاء متطورة تجعل تتبع مصدر الهجوم أشبه بمطاردة شبح. هنا تبرز (العبقرية الرمادية)؛ يمكنك مهاجمة خصمك بشدة، بل يمكنك تدمير بنيته التحتية، ثم تقول بعد ذلك "لم نكن نحن"، ولا يمكن لأحد أن يثبت عكس ذلك بيقين قاطع. هذه القابلية للإنكار المعقول هي سلاح استراتيجي من الدرجة الأولى. إنها تمنح الدولة المعتدية القدرة على تحقيق أهدافها مع الاحتفاظ بـ "غلاف دبلوماسي" يسمح لها بمواصلة التعامل مع المجتمع الدولي كدولة "ملتزمة بالقانون". عندما تجلس الدبلوماسية الأمريكية أو الروسية أو الصينية على طاولة المفاوضات، لا يُطلب منها تفسير ما تقوم به قواتها أو قراصنتها في المنطقة الرمادية؛ لأنها تستطيع أن تنفي أي تورط، ولا يستطيع أحد تقديم دليل قاطع على كذبها. 3-الغموض القانوني البعد الثالث، وربما الأعمق، هو الغموض القانوني، هنا ينقسم المحللون إلى معسكرين متباينين بعنف. المعسكر الأول، الذي يمثل موقف المؤسسات القانونية التقليدية (مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر)، يصر هذا المعسكر على أن "القانون الدولي" ليس فيه منطقة رمادية حقيقية. الحجة ببساطة؛ القانون يحدد متى يكون هناك نزاع مسلح، ومتى لا يكون؛ الفعل إما أن يكون استخداماً غير مشروع للقوة أو- لا؛ التهديد إما أن يكون حقيقياً أو- لا؛ لكن المشكلة ليست في القانون ذاته، بل في صعوبة تطبيقه على الوقائع نظراً لتعقيدها وغموضها المتعمد. أما المعسكر الثاني، وهم غالبية من يكتبون عن (المنطقة الرمادية)، فيرون أن القانون الدولي نفسه يعاني من ثغرات هيكلية تخلق مناطق رمادية حقيقية. أبرز هذه الثغرات هي قواعد إسناد المسؤولية عن أفعال الوكلاء، وغياب تعريف دقيق لـ "الهجوم السيبراني" الذي يستدعي حق الدفاع عن النفس، وتعارض أحكام المحاكم الدولية في قضايا ترسيم الحدود البحرية، وعدم وجود آلية واضحة للرد على ما تسميه بعض الأدبيات "العدوان الاقتصادي". ربما يكون أبرز مثال على الفجوة القانونية هو ما يتعلق بالحدود البحرية. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) عام 1982,تعتبر اتفاقية جاميكا واحدة من أنجح المعاهدات الدولية، لكنها تترك مساحات واسعة من التفسير في مسائل ترسيم الحدود بين الدول المتجاورة. في بحر الصين الجنوبي، تستخدم الصين هذا الغموض لصالحها؛ وحدات خفر السواحل الصينية تعمل في مناطق متنازع عليها، وتقول بكين إن هذه "إنفاذ قانون" في المياه الإقليمية الصينية، بينما تقول الدول الأخرى إنها "عدوان بحري" في مياهها الخاصة؛ على سبيل المثال المحكمة الدائمة للتحكيم أصدرت حكمها في قضية الفلبين ضد الصين عام 2016 لكن الصين رفضت تنفيذه قائلة إن المحكمة لا تملك ولاية قضائية. النتيجة هي بسبب وجود منطقة رمادية بامتياز، حيث كل جهة لديها قراءتها القانونية الخاصة بها. 4-أشكال العمليات في المنطقة الرمادية العمليات التي يمكن تصنيفها ضمن المنطقة الرمادية تتعدد وتتنوع، ويمكن حصرها في الأنواع التالية: أولاً- العمليات العسكرية المُنكرة: هي العمليات التي تنفذها وحدات عسكرية نظامية لكن دون شارات أو انتماء وطني واضح، أو عبر قوات خاصة مدربة على التخفي. هذه كانت بطاقة الاتصال الروسية في جزيرة القرم وشرق أوكرانيا، واستخدمتها إيران في سوريا زمن الرئيس المخلوع/بشار الاسد، عبر "الحرس الثوري" في مراحل معينة، واستخدمتها تركيا في شمال سوريا وليبيا عبر المرتزقة السوريين الذين جُندوا "بصفة فردية"، رغم أن من جندهم ودربهم ونقلهم كان الجيش التركي. ثانياً- العمليات عن بعد عبر وكلاء: هذه هي الاستراتيجية الإيرانية بامتياز. تستخدم طهران شبكة واسعة من الفاعلين غير الدوليين مثل؛ حزب الله في لبنان، الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا سابقا، الحوثيين في اليمن. هذه الجماعات تنفذ عمليات ضد اسرائيل تساند به ايران، لكنها تحتفظ بدرجة من الاستقلالية تجعل من الصعب إسناد كل عمل عسكري تقوم به هذه التنظيمات إلى إيران رسمياً. ثالثاً -العمليات السيبرانية: كما أشرنا سابقاً، هذا مجال المنطقة الرمادية بامتياز؛ الدوافع الاقتصادية والتجسسية والعسكرية تتداخل؛ وبعض العمليات السيبرانية تهدف بوضوح إلى إضعاف أو تدمير بنية تحتية حيوية، لكنها لا تترك بصمات جعلتها تبدو وكأنها "قرصنة عادية"؛ نسبة كبيرة من الهجمات السيبرانية الكبرى لا يتم الإعلان عنها أصلاً، وتُسوى بأطرافها عبر قنوات سرية. رابعاً- الحملات الإعلامية والتأثير: هنا يدخل التضليل الإعلامي والتدخل الانتخابي ونشر الأخبار الكاذبة. روسيا اتُهمت بالتدخل في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016 ،عبر حسابات وهمية في فيسبوك وتويتر، وكذلك في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. القوانين الدولية لا تحظر التدخل في انتخابات دولة أخرى بوضوح، فـ "حرية التعبير" مكفولة على المستوى الدولي، لكن نشر معلومات كاذبة ومموَّلة من جهات أجنبية بهدف التأثير على نتائج انتخابية ليس شيئاً تحظره أي معاهدة دولية. خامساً- الضغط الاقتصادي دون إعلان حصار: منع السفن المتجهة إلى ميناء دولة ما أو تأخيرها تحت ذرائع قانونية واهية، أو فرض رسوم جمركية تمييزية، أو حظر توريد سلع استراتيجية - كل هذا يندرج في المنطقة الرمادية إن لم يصل إلى حد الحصار البحري الذي يُعتبر عملاً عدائياً بموجب القانون الدولي. الحصار الذي فرضته دول الخليج على قطر من عام 2017 إلى -2021 ،كان مثالاً ناقشه الفقهاء القانونيون هل هو فعل عدائي مكتمل أم مجرد خلاف دبلوماسي بين قطر وأربع دول عربية. سادساً- مشروع "تحديد الحدود" (borderization) :وهو مصطلح ظهر بقوة في سياق الصراع الجورجي الروسي. بدلاً من إعلان ضم أراضٍ جديدة أو احتلالها، تقوم الدول ببناء سياجات وحواجز وأسلاك شائكة على طول خطوط وقف إطلاق النار، مما يغير الواقع على الأرض تدريجياً ويخلق حدوداً فعلية لا يعترف بها القانون الدولي. هذا يحقق الهدف الاستراتيجي (توسيع الأراضي الفعلية) دون الحاجة إلى إعلان ضم يثير إدانة دولية. 5-الإطار القانوني بين الوضوح والغموض. لعل أكثر ما يثير الجدل في دراسة المنطقة الرمادية هو موقف القانون الدولي منها؛سنحاول التميز هنا بين مجالين مختلفين تماماً لكل منهما أحكامه وخصوصيته. -مجال القانون الدولي الإنساني في هذا المجال، موقف القانون واضح وحاسم. اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أعلى سلطة في تفسير القانون الدولي الإنساني، تصر على أنه لا وجود (لمنطقة رمادية) في القانون الدولي الإنساني. ببساطة؛ إما أن يكون هناك نزاع مسلح أو لا يكون. إذا كان هناك نزاع مسلح، ينطبق القانون الدولي الإنساني بكامل أحكامه. إذا لم يكن هناك نزاع مسلح، فلا ينطبق، لكن هذا لا يعني أن الفضاء خلاء قانوني حيث كل شيء مباح؛ فأطر القانون الأخرى لا تزال سارية. -كيف نعرف متى ينطبق القانون الدولي الإنساني، المعايير محددة بعناية بالغة في المادة 2 من اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الإضافيين: -بالنسبة للنزاع المسلح الدولي: وجود أي خلاف بين دولتين يؤدي إلى لجوء جيوشهما إلى القوة المسلحة، لا يشترط حد أدنى لشدة العنف. حتى ولو كان هناك إطلاق نار واحد بين دوريتين حدوديتين لدولتين مختلفتين، يُعتبر هذا نزاعاً مسلحاً دولياً وتنطبق عليه الاتفاقيات. - بالنسبة للنزاع المسلح غير الدولي هناك شرطان هما؛ وجود جماعة مسلحة منظمة (وليست مجرد عصابة أو متمردين عابرين)، وكثافة كافية للعنف تجعله يتجاوز مجرد أعمال شغب أو اضطرابات داخلية. المشكلة إذن ليست في غموض القانون، بل في صعوبة تطبيق هذه المعايير على الوقائع. عندما ترسل دولة قوات سرية بلا شارات، وهي تتصرف كجيش نظامي لكنها تنكر انتماءها، هل يمكن القول بوجود نزاع مسلح دولي؛ القانون يقول نعم، طالما كانت هذه القوات تحت سيطرة الدولة الفعلية. لكن إثبات هذه السيطرة يحتاج إلى أدلة قد لا تكون متاحة. وهكذا نعود إلى إشكالية الإسناد من باب آخر. -مجال التحكيم البحري على الطرف الآخر، في مجال قانون البحار، الغموض حقيقي وهيكلي. المحاكم الدولية مثل محكمة القانون الدولي (ITLOS) ومحاكم التحكيم الدائمة استخدمت مصطلح "المنطقة الرمادية" بنفسها لوصف المناطق البحرية التي يصعب ترسيم حدودها. المشكلة هنا أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار جامايكا عام (1982) تترك مساحات لتفسير مبدأ "الإنصاف" في الترسيم، وهذا التفسير اختلف من قضية إلى أخرى؛ مثلا،في قضية بحر الشمال عام 1969 التي رفعتها كل من الدنمارك وهولندا ضد ألمانيا الغربية (جمهورية ألمانيا الاتحادية)، قررت محكمة العدل الدولية عدم تطبيق مبدأ خط المنتصف التلقائي بسبب الشكل المقعّر للساحل الألماني الذي كان سيحرمها من حصة منصفة من الجرف القاري، ثم في قضية خليج ماين عام 1984 بين كندا والولايات المتحدة، عادت محكمة التحكيم لتعتمد خط المنتصف كنقطة بداية للترسيم ما لم توجد ظروف خاصة، وأخيراً في قضية نيكاراجوا ضد كولومبيا عام 2012 بشأن الحدود البحرية في البحر الكاريبي، طبقت محكمة العدل الدولية منهجاً مرحلياً مختلفاً وسعت تعريف "الظروف ذات الصلة" ليشمل أطوال السواحل النسبية، مما أدى إلى تباين في الاجتهادات القضائية وخلق حالة من عدم اليقين القانوني للدول الراغبة في اللجوء إلى التحكيم البحري. -مجال الإسناد والمسؤولية هنا تبرز معضلة كبرى؛ لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة أصدرت مشروع موادها عن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً عام (2001)، ونصت المادة 8 من مشروع موادها، على أن فعل الشخص أو مجموعة الأشخاص يُعتبر فعلاً للدولة إذا كان هؤلاء الأشخاص "يتصرفون فعلاً بتعليمات من تلك الدولة أو تحت إشرافها أو سيطرتها عليها". المشكلة القانونية هو في؛ ما هو مقدار السيطرة المطلوب؛ مثلا المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية Tadić (1999) قررت أن المطلوب هو "سيطرة شاملة" (overall control) وليست مجرد "سيطرة فعالة" (effective control). الفرق القانوني كبير؛ السيطرة الشاملة تعني أن الدولة تمارس نفوذاً عاماً على التنظيم وتدعمه بشكل هيكلي، بينما السيطرة الفعالة تتطلب توجيهاً وتعليمات لكل عملية عسكرية على حدة. هذا التخفيف من العتبة جعل من السهل نسبياً إدانة الدول لدعمها وكلاءها. لكن بالمقابل، تطلب المحكمة أدلة صارمة ومباشرة يصعب الحصول عليها في عالم تتقن فيه الدول إخفاء أوراقها. -حالات دراسية: المنطقة الرمادية على أرض الواقع. 1-روسيا وأوكرانيا (2014-2022) المرحلة الأهم والأكثر توثيقاً للعمليات الرمادية. بعد ثورة الكرملين في أوكرانيا وإسقاط نظام فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا، تحركت موسكو بسرعة. بدأ الأمر بضم القرم. كيف تم ذلك; ظهرت قوات عسكرية ترتدي زياً أخضر بدون شارات ويحملون أسلحة حديثة ويستخدمون آليات عسكرية روسية الصنع، فُتحت معابر الحدود بين القرم وأوكرانيا وما زالت روسيا تتحكم في الإمداد. هذه القوات سيطرت على مبنى البرلمان في القرم، وأغلقت الطرق المؤدية إلى شبه الجزيرة، وفرضت وجودها العسكري. الرئيس بوتين نفى في البداية أن تكون هذه قوات روسية، ووصفهم بأنهم "قوات دفاع محلية" اشتروا زيهم من متاجر عسكرية. لكن بعد أسابيع قليلة، اعترف بوتين ضمناً بتورط القوات الخاصة الروسية وقال إنه كان من الضروري "حماية السكان الناطقين بالروسية". الفجوة بين الإنكار الأولي والاعتراف اللاحق هي (المنطقة الرمادية) بعينها؛ روسيا أنجزت ضم القرم عسكرياً بينما كانت تنفي قيامها بأي عمل عسكري. انتقلت العمليات بعد ذلك إلى منطقة دونباس شرق أوكرانيا. هنا ظهرت "جماعات انفصالية" مسلحة أعلنت جمهوريتي "دونيتسك" و"لوهانسك"؛ هذه الجماعات قاتلت الجيش الأوكراني لأعوام، وتبين لاحقاً أن قادتها كانوا ضباطاً في الاستخبارات العسكرية الروسية (الـ GRU)، وأن السلاح والتمويل والتدريب كان يأتي من روسيا. لكن طوال الفترة 2014-2022، تمسكت روسيا بموقفها؛ إنها "حرب أهلية" بين أوكرانيين، وروسيا "وسيط" في عملية السلام، وليست طرفاً في النزاع. هذا الإنكار مكن روسيا من مواصلة دعم الانفصاليين وتجنب العقوبات الدولية الشاملة التي قد تفرض عليها إذا اعترفت بأنها طرف في الحرب. عندما جاء الغزو الشامل في فبراير 2022، انتقلت العمليات من "المنطقة الرمادية" إلى الحرب الواضحة، لكن حتى ذلك الحين حاولت روسيا تسميتها "عملية عسكرية خاصة" لا "حرباً". 2-الصين وبحر الصين الجنوبي مثال آخر هو ما تفعله الصين في بحر الصين الجنوبي. بكين تطالب بسيادة كاملة على أغلب مساحة البحر، وتستند إلى خريطة ما يسمى "خط التسعة مقاطع" الذي يعود للحقبة الوطنية للصين عام 1947. هذه المطالبات تتعارض مع حقوق دول الجوار (الفلبين، فيتنام، ماليزيا، بروناي، تايوان) في مناطقها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري كما حددتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. كيف تتصرف الصين في المنطقة الرمادية؛ بدلاً من إرسال قواتها البحرية بشكل مباشر للسيطرة على هذه المنطقة وهو ما يمكن اعتباره عملاً عدائياً صريحاً، تستخدم بكين وحدات خفر السواحل التابعة لها، وهي ليست قوات عسكرية رسمياً، لكن قدراتها تتجاوز بكثير ما يعتبر عادةً "وحدات إنفاذ قانون". هذه الوحدات تطارد سفن الصيد التابعة للفلبين وفيتنام، وتصادر معداتها، وتطلق المياه عليهم وحتى تطلق انذاراً بالرصاص في بعض الحالات؛ تقول الصين إن هذا "إنفاذ قانون" داخل مياهها الإقليمية، بينما تقول الدول الأخرى إن هذا عدوان في مياهها الخاصة. الأكثر إثارة هو مشروع الصين لبناء جزر صناعية في المنطقة. حولت بكين سبع شعاب مرجانية صغيرة إلى جزر متكاملة بها مدارج طيران وموانئ عسكرية ومرافق مراقبة؛ هذا التغيير المادي للواقع على الأرض جعل من الصعب جداً التراجع عنه. لو قامت الصين بإرسال قواتها البحرية لبناء هذه القواعد فجأة، لكان رد الفعل الدولي أقوى بكثير؛ لكنها فعلتها بتدرج، وكل مرحلة كانت "رمادية" بما يكفي لتمر دون ردع حازم في ظل غياب القانون الدولي الحازم. 3-إيران و"محور المقاومة" استراتيجية إيران في المنطقة الرمادية ربما تكون الأكثر تعقيداً. طهران تعمل بشكل منهجي على بناء شبكة من الفاعلين غير الدوليين الذين يمدون نفوذها إلى أنحاء المنطقة العربية. هذه الجماعات (حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق، أنصار الله الحوثيون في اليمن، وميليشيات موالية لإيران في سوريا سابقاً ) تستقبل أسلحة وتدريباً وتمويلاً وقيادة من طهران، لكنها تتصرف ككيانات "محلية" و"وطنية" تحارب من أجل قضايا يبدو أنها خاصة بها. عندما يهاجم الحوثيون دولة الاحتلال الاسرائيلي بصواريخ باليستية، أو عندما تطلق ميليشيات عراقية صواريخ على القواعد الأمريكية، أو عندما يشارك حزب الله في قتال مميز ضد جيش الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان، تستطيع إيران أن تقول: "نحن نؤيد هذه الجماعات سياسياً ومعنوياً، لكننا لا نتحكم في تصرفاتها ولا نصدر أوامر لها بما تفعل". هذا التموضع يخلق ما يشبه "الحصانة الرمادية"؛ والعقوبات الأمريكية تضرب هذه الجماعات وليس إيران؛ الرد العسكري الإسرائيلي إذا حدث يستهدف مواقع الحزب في لبنان وليس طهران؛ والمواجهات تبقى "رمادية" لا ترتقي إلى حرب مباشرة بين إيران وخصومها. لكن إسرائيل حاولت في السنوات الأخيرة كسر هذه الرمادية بنقل المعركة إلى داخل إيران نفسها؛ استهداف منشآت نووية، اغتيال علماء وميدانيين، عمليات تخريب الخ. هذه هي "الرمادية في مواجهة الرمادية"؛ كل طرف يحاول البقاء تحت العتبة التي تستدعي رداً مدمراً وبهذا تبقى النزاعات المسلحة تحت غطاء المنطقة الرمادية بعكس ما حصل عندما اشتعلت الحرب الأمريكية الاسرائيلية على ايران في 28-2-2026 ،واستمرت مدة 40 يوم. 4-إشكاليات كبرى في معالجة المنطقة الرمادية بعد هذا العرض، نصل إلى الأسئلة الصعبة. لماذا تعجز المؤسسات الدولية عن معالجة هذه الظاهرة؛ هل هناك عيوب بنيوية في النظام القانوني الدولي. أ- مشكلة التوقيت؛ القانون الدولي يتحرك ببطء، بينما العمليات الرمادية تنفذ بسرعة وتطور نفسها بشكل أسرع. عندما اجتمع خبراء القانون لصياغة اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949، لم يكن أحد يتصور هجوماً سيبرانياً أو جيشاً من الروبوتات أو أسلحة تستخدم الذكاء الاصطناعي. التعديلات والبروتوكولات الجديدة تأخذ سنوات بل عقوداً تكتمل العمليات الرمادية في غضونها أهدافها وتخلق وقائع جديدة لا يمكن تغييرها. ب- مشكلة الإرادة السياسية؛ القواعد القانونية المتعلقة (بالمنطقة الرمادية) غامضة ليس عن سهو، لكن لأن الدول الكبرى تريدها هكذا. كل دولة تحتفظ لنفسها بمساحة من المناورة تسمح لها باستخدام العمليات الرمادية عندما ترى ذلك مناسباً. روسيا تحتفظ بحقها في التدخل في "الفضاء السوفييتي السابق"، الصين تحتفظ بحقها في "توحيد الأراضي التاريخية"، أمريكا تحتفظ بحقها في "حماية الأمن القومي" أينما كان. المجتمع الدولي لا يريد قواعد واضحة لأنه لا يريد استخدام هذه القواعد ضده. د- مشكلة التناظر: الدول الغربية انتقدت بشدة العمليات الرمادية الروسية في أوكرانيا التي تمارسها هي نفسها في أماكن أخرى؛ مثل تدخل الناتو في كوسوفو 1999 كان عملية عسكرية دون تفويض من الأمم المتحدة. أمريكا غزت العراق 2003 بناءً على معلومات استخباراتية تبين لاحقاً أنها خاطئة. إسرائيل تقصف مواقع في سوريا تحت ذريعة "حق الدفاع عن النفس المسبق" وهو مبدأ مثير للجدل قانونياً. المنظومة القانونية الدولية إذا حاولت تجريم العمليات الرمادية، ستجد نفسها مضطرة لمحاكمة معظم دول العالم، بما فيها الدول التي تدير هذه المحاكم. لهذا السبب، تبقى (المنطقة الرمادية)، مريحة للجميع؛ تسمح للقوي بفعل ما يريد، وللضعيف بالاحتجاج، وللمؤسسات الدولية بالقيام بعملها دون مواجهة أحد. رابعا:نقد المفهوم-هل "المنطقة الرمادية" ذريعة أم اكتشاف. يحسن بنا أن نختتم هذا التحليل بنقد جذري للمفهوم نفسه. هناك رأي يقول إن التوسع في استخدام مصطلح المنطقة الرمادية ليس تقدماً معرفياً بقدر ما هو هروب من المسؤولية. إذا وصفنا كل فعل عدواني لا يصل إلى عتبة الحرب بأنه "رمادي"، فإننا نخلق شرعية ضمنية له؛ ولاشك أصبح من المقبول أن تفعل الدول ما تشاء طالما أنها لا تعبر خطاً أحمراً واهياً تصفه بأنه "حدود الحرب". هذا يقود إلى سباق محموم نحو القاع؛ "كل دولة تحاول أن تفعل للغير ما يفعله الآخر بدرجة أعلى من الرمادية وأقل من الوضوح". الرأي الثاني، وهو الأكثر واقعية، يقول إن (المنطقة الرمادية)، موجودة منذ الأزل، وما تغير هو قدرة الغرب على احتكار السردية الدولية. أثناء الحرب الباردة بين القطبين، كانت العمليات الرمادية الغربية تسمى "عمليات سرية مشروعة للدفاع عن الحرية"، بينما كانت عمليات الكتلة السوفيتية تسمى "عدواناً إمبريالياً". اليوم، فقد الغرب تفوقه السردي، وبدأ العالم يرى العمليات ؛الروسية والصينية والإيرانية؛ كما كانت ترى عمليات الغرب سابقاً، لكن هذه المرة من منظور مختلف. أي أن "المنطقة الرمادية" ليست ظاهرة قانونية بقدر ما هي ظاهرة خطابية وأخلاقية. الرأي الثالث، وهو الأخطر، يرى أن مفهوم المنطقة الرمادية هو جزء من مشروع أوسع لتفكيك القانون الدولي الإنساني. إذا أصبح القانون عاجزاً عن تصنيف الأفعال، وإذا صار كل شيء رمادياً، فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو عودة العالم إلى "قانون الغاب" حيث القوة وحدها هي التي تحدد المشروع؛ هذه العودة قد تكون مقبولة للدول الكبرى، لكنها كارثة على الدول الصغيرة والمتوسطة التي كان القانون الدولي ملاذها الوحيد،وبالتالي انهيار منظمة الامم المتحدة وزوالها كما حصل مع عصبة الأمم المتحدة وزوالها. اخيراً يمكن القول، ان المنطقة الرمادية في العلاقات الدولية أو القانون الدولي ليست اكتشافاً لحقيقة جديدة، بقدر ما هي تعبير عن أزمة أعمق هي أزمة القانون الدولي نفسه في عصر تنوعت فيه أدوات القوة وتشعبت، وأزمة الإرادة السياسية للدول في وضع قواعد واضحة تحكم سلوكها، وأزمة سردية في عالم لم يعد فيه "غرب" واحد يملك القدرة على فرض تعريفاته للشرعية والعدوان. الأهم من ذلك كله يرى الباحث في هذا المقال أن (المنطقة الرمادية)، تكشف عن مفارقة مؤسفة؛ القانون الدولي، الذي صُمم ليكون حارساً للسلام، أصبح عاجزاً عن حماية نفسه من أولئك الذين يتقنون فن البقاء تحت عتبته؛ في هذا العجز، تكمن المأساة الحقيقية للمنطقة الرمادية التي ربما تتسبب في عدم فعالية القانون الدولي وهشاشة في المؤسسات الدولية وثم انهيار منظمة الامم المتحدة مثلما انهارت واختفت عصبة الأمم السابقة.
كاتس: قد نضطر قريبا لضرب إيران ولدينا فرصة تاريخية لتغيير الواقع الإقليمي
اليوم 63..أولا بأول في حرب إيران: عودة التهديد العسكري وإغلاق مضيق هرمز
جماعة غامضة تعلن مسؤوليتها عن استهداف يهود بلندن
عراقجي ينتقد تسمية ترامب لمضيق هرمز بـ"مضيق ترامب": خطأ فادح
إيطاليا تطالب إسرائيل بالإفراج عن مواطنيها المحتجزين ضمن أسطول الصمود
💬 التعليقات (0)