f 𝕏 W
خمسة أيام للمدرسة.. هل نبدأ بسداد الدَّين التعليمي؟

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

خمسة أيام للمدرسة.. هل نبدأ بسداد الدَّين التعليمي؟

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي عن خطة لإعادة الدوام المدرسي إلى خمسة أيام أسبوعيًا للصفوف الأربعة الأولى، في خطوة تهدف إلى معالجة "الدين التعليمي" المتراكم. ورغم أن هذه الخطوة تُعد مهمة، إلا أن المقال يؤكد على ضرورة التركيز على جودة التعليم واستثمار وقت التعلم، وليس فقط زيادة عدد أيام الدراسة. ويشير إلى أن التحديات في المنطقة، وخاصة في فلسطين وغزة، تتطلب استجابة شاملة تتجاوز مجرد زيادة أيام الدوام.
أبرز النقاط

الأحد 01 نوفمبر 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يذهب طفل في السابعة من عمره إلى المدرسة ثلاثة أيام في الأسبوع، ويبقى بعيدًا عنها أربعة أيام، فإننا لا نختصر الدوام المدرسي فحسب، بل نقطع إيقاع التعلّم في مرحلة يحتاج فيها الطفل إلى التكرار والممارسة والاستمرارية. فالقراءة لا تُكتسب دفعة واحدة، والكتابة لا تنمو بالتلقين المتباعد، ومهارات الحساب لا تترسخ دون تدريب منتظم.من هنا، فإن إعلان وزير التربية والتعليم العالي الدكتور أمجد برهم التوجه لإعادة الدوام الوجاهي إلى خمسة أيام أسبوعيًا للصفوف الأربعة الأولى، اعتبارًا من الأسبوع المقبل، يمثل خطوة تربوية مهمة تستحق الدعم، وربما تكون من أكثر الخطوات إلحاحًا في مواجهة الدَّين التعليمي الذي يتراكم على أبنائنا منذ سنوات.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كم يومًا سيذهب أطفالنا إلى المدرسة؟ بل: ماذا سيتعلمون في هذه الأيام الخمسة؟في معظم الأنظمة التعليمية التي ترصدها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يشكل الدوام المدرسي خمسة أيام أسبوعيًا نمطًا مألوفًا. غير أن التجارب الدولية تعلمنا درسًا مهمًا: الدول لا تتفوق تعليميًا لمجرد أن أطفالها يقضون وقتًا أطول في الصفوف، وإنما لأنها تحسن استثمار وقت التعلم، وتوفر معلمين مؤهلين، وتقيس تقدم الطلبة بصورة مستمرة.وفي عالمنا العربي، تكشف الدراسات عن تحدٍّ أعمق من انتظام الدوام ، إذ أشار البنك الدولي إلى أن أكثر من نصف الأطفال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفق تقديراته المنشورة عام 2021، يعانون فقر التعلم، أي عدم القدرة على قراءة نص مناسب لأعمارهم وفهمه عند سن العاشرة. وهذه ليست مشكلة في عدد أيام الدراسة وحده، بل في نوعية التعليم ومخرجاته.أما في فلسطين، فالمشكلة أكثر تعقيدًا. فالاحتلال والحواجز والاقتحامات والنزوح، إلى جانب الأزمة المالية وعدم انتظام رواتب المعلمين، كلها عوامل أضعفت استقرار المدرسة. وفي غزة، بلغ الانقطاع عن التعليم النظامي الوجاهي مستوى كارثيًا، بينما يواجه أطفال الضفة الغربية اضطرابات متكررة في وصولهم إلى مدارسهم.لقد نشأ لدينا ما يمكن تسميته الدَّين التعليمي: معارف ومهارات كان ينبغي أن يكتسبها الأطفال في أعمار محددة، لكنها تأخرت أو لم تُكتسب أصلًا. وهذا الدَّين لا يسقط بانتقال الطالب من صف إلى آخر، بل ينتقل معه، وتتراكم عليه فجوات جديدة.لهذا أرى أن البدء بالصفوف من الأول إلى الرابع اختيار تربوي سليم. ففي هذه السنوات تتأسس القدرة على القراءة والفهم والكتابة والحساب. والطفل الذي يصل إلى الصف الخامس دون إتقان هذه المهارات سيواجه صعوبة متزايدة في تعلم العلوم والرياضيات وسائر المواد.إن الانتقال من ثلاثة أيام إلى خمسة يعني زيادة أيام الحضور المجدولة بنحو 67 في المئة، وهي زيادة كبيرة في الفرصة المتاحة للتعلم. لكنها لا تعني أن التحصيل سيرتفع بالنسبة نفسها، ولا أن ما فقدناه خلال سنوات يمكن تعويضه بمجرد إعادة الأيام إلى الجدول.وتطرح الاستعانة بمعلمين مساندين خلال اليومين الإضافيين فرصة تستحق الاهتمام، لكنها تضعنا أمام تحدٍّ حقيقي: كيف نضمن وحدة العملية التعليمية بين المعلم الأساسي والمعلم المساند؟ وكيف نحول اليومين الإضافيين إلى فرصة لمعالجة الضعف، لا مجرد استكمال شكلي للمنهاج؟أقترح أن تتحول هذه الخطوة إلى برنامج وطني لاستعادة التعلم، يبدأ بتشخيص مستويات الأطفال الفعلية في القراءة والكتابة والحساب، ثم تخصيص جزء واضح من الوقت الإضافي للتعليم العلاجي، وتدريب المعلمين المساندين، ومتابعة تقدم كل طفل بمؤشرات بسيطة قابلة للقياس.ولا ينبغي أن نغفل المعلم الفلسطيني، الذي تحمل أعباء استثنائية خلال سنوات الأزمة. فنجاح البرنامج يتطلب صون حقوقه، وتوفير التنسيق المهني بين المعلمين، والسعي إلى معالجة الأسباب المالية التي أدت أصلًا إلى تقليص الدوام. فالاستعانة بالمعلم المساند قد تكون حلًا مرحليًا مناسبًا، لكنها ليست بديلًا دائمًا عن استقرار المدرسة وكادرها التعليمي.كما أن نجاح التجربة لا يُقاس بعدد المدارس التي فتحت أبوابها خمسة أيام، وإنما بعدد الأطفال الذين أصبحوا يقرؤون بطلاقة، ويفهمون ما يقرؤون، ويكتبون بصورة سليمة، ويجرون العمليات الحسابية المناسبة لأعمارهم.وفي هذا السياق، لا يجوز أن ننسى أطفال غزة؛ فاستعادة التعلم هناك تتطلب استجابة استثنائية، تبدأ بتوفير أماكن تعليم آمنة، وتجمع بين الدعم النفسي والتعلم التأسيسي والتعويض المكثف.إن قرار الأيام الخمسة خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه ينبغي أن يكون بداية تحول في فلسفة إدارة التعليم الفلسطيني: من قياس أيام الدوام إلى قياس ما يتعلمه أبناؤنا، ومن محاولة إنهاء المنهاج إلى ضمان اكتساب المهارات، ومن إدارة الأزمة إلى بناء خطة تعافٍ تعليمية طويلة المدى.لقد حان الوقت لنبدأ بسداد الدَّين التعليمي، لكننا لن نسدده بإضافة يومين إلى الجدول وحدهما، بل بأن نجعل كل يوم مدرسي فرصة حقيقية للتعلم.فالمسألة في النهاية ليست أن يعود أطفالنا إلى مقاعد الدراسة خمسة أيام، وإنما أن يعودوا من مدارسهم كل يوم وقد تعلموا شيئًا جديدًا يستحق أن يبقى معهم.

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)