الأحد 01 نوفمبر 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس
قد يسلّم طالب واجبًا مدرسيًا متقنًا، ثم يعجز عن شرح الفكرة التي كتبها. وقد يناقش مراهق برنامجًا ذكيًا في أكثر تفاصيل حياته خصوصية، بينما يكتفي مع أسرته بكلمات قليلة. في الحالتين تبدو التكنولوجيا وكأنها تؤدي دورًا مفيدًا؛ تساعد وتجيب وتستمع. لكن خلف هذه السهولة سؤال يستحق أن يدخل بيوتنا ومدارسنا: هل يستخدم أبناؤنا الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدراتهم، أم يتنازلون له تدريجيًا عن أدوار يحتاجون إلى ممارستها حتى تنمو شخصياتهم؟لا يمتلك الذكاء الاصطناعي إرادة بشرية تجعله يخطط للسيطرة على أبنائنا. لكن الشركات التي تطوّره تختار طريقة تصميمه، وما تجمعه من بيانات، وكيف تقيس نجاحه. ومن هنا يصبح السؤال عن الجهة المستفيدة مشروعًا: ماذا يكسب الطفل من الوقت الذي يقضيه مع الأداة؟ وماذا تكسب المنصة من حضوره وتفاعله؟ وهل تتوافق مصلحتهما دائمًا؟
تظهر قيمة هذه الأدوات حين تساعد طالبًا على فهم درس استعصى عليه، أو تمنحه فرصة للتدرّب على لغة، أو تتيح له اختبار فكرة ومراجعة أخطائه. وفي واقعنا الفلسطيني، حيث تضغط الظروف الاقتصادية وتعطّل الحركة أحيانًا انتظام التعليم، يمكن للمساعدة الرقمية أن تفتح نافذة مهمة للتعلّم. إلا أن وجود نافذة للمعرفة لا يعني أن كل من ينظر منها يتعلّم؛ فطريقة الاستخدام هي التي تصنع الفارق.لنتخيّل طالبين أمام المسألة نفسها. يطلب الأول حلًا جاهزًا وينسخه، بينما يعرض الثاني محاولته ويطلب تفسير موضع الخطأ، ثم يحاول مجددًا. كلاهما استخدم الذكاء الاصطناعي، لكن الأول أنجز ورقة، والثاني مارس التعلّم. المشكلة تبدأ حين نخلط بين جودة الإجابة التي ظهرت على الشاشة وجودة الفهم الذي تكوّن داخل عقل الطالب.التعلّم يحتاج إلى المحاولة والتردد والخطأ، وإلى احتمال شعور مؤقت بعدم المعرفة. وعندما تصبح الإجابة الفورية عادة، قد يعتاد الطالب تجاوز هذه المساحة قبل أن يمنح نفسه فرصة التفكير. وتدعو إرشادات اليونسكو بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم إلى حماية استقلالية المتعلم، وخصوصيته، ومراعاة عمره عند اختيار الأدوات وتصميم استخدامها. وهذه مبادئ تضع نمو الإنسان في مركز العملية التعليمية. (unesco.org)ويمتد السؤال إلى ما وراء الواجبات. فحين يكتب الابن رسالة اعتذار، أو يحاول التعبير عن غضبه، أو يتخذ قرارًا في علاقة مع أصدقائه، فإنه يتدرّب على فهم نفسه والآخرين. يمكن للأداة أن تساعده على ترتيب أفكاره، لكن الاعتماد عليها لصياغة كل موقف قد يتركه بلغة جميلة لا يعرف كيف يدافع عنها، وبقرارات لم يفحص أسبابها بنفسه.أما القرب العاطفي من برامج المحادثة فيستحق انتباهًا خاصًا. فالرد السريع والنبرة الودودة قد يمنحان المستخدم إحساسًا بأنه مفهوم ومسموع، مع أن البرنامج لا يعرفه كما يعرفه إنسان يشاركه الحياة ويتحمّل مسؤولية العلاقة معه. وتحذّر إرشادات اليونيسف من مخاطر التعلّق العاطفي ببعض تطبيقات الرفقة الذكية، ومن احتمال أن تزاحم هذه التفاعلات فرص التواصل البشري الضرورية لنمو الأطفال. (www-self.unicef.org)هنا ينبغي أن ننظر إلى علاقتنا بأبنائنا أيضًا. إذا وجد الطفل أمام الشاشة مساحة للكلام لا يجدها في البيت، فلن يكفي أن نطلب منه إغلاقها. علينا أن نسأل كم مرة استمعنا إليه دون مقاطعة، وكم مرة تعاملنا مع سؤاله بجدية، وهل يستطيع أن يعترف بخطئه أمامنا دون أن يخاف الإهانة. حضور الأسرة يتكوّن من علاقة تجعل العودة إليها ممكنة وآمنة.وتبقى الخصوصية جزءًا من هذه التربية. فقد يشارك الطفل اسمه ومدرسته وصوره ومشكلاته العائلية، دون أن يدرك معنى تخزين المعلومات أو معالجتها. وتختلف سياسات الخدمات وإعداداتها، ولذلك يحتاج الأهل إلى فهم الأداة المستخدمة وتعليم أبنائهم حدود المشاركة. وتضع اليونيسف حماية بيانات الأطفال، وسلامتهم، وشفافية الأنظمة، ومصلحتهم الفضلى ضمن متطلبات الذكاء الاصطناعي المراعي لحقوق الطفل. (unicef.org)وفي المدرسة، يستدعي هذا التحوّل مراجعة طريقة التقييم. يمكن للمعلم أن يطلب من الطالب شرح اختياراته، وعرض محاولته الأولى، ومناقشة ما قبله من إجابة الأداة وما رفضه وأسباب ذلك. وفي البيت، يمكن أن يتغيّر السؤال من «هل أنهيت واجبك؟» إلى «ماذا فهمت، وكيف وصلت إليه؟». بهذه الممارسات يصبح التفكير ظاهرًا وقابلًا للنقاش، بدل أن تختبئ عملية التعلّم خلف نص مكتمل.نستطيع أن نعرف اتجاه العلاقة بسؤال بسيط: هل يخرج أبناؤنا من استخدام الأداة أكثر قدرة على الفهم والاختيار والعمل بأنفسهم؟ أم تزداد حاجتهم إليها عند كل سؤال وموقف؟ الإجابة لن نجدها في عدد التطبيقات التي يجيدون تشغيلها، وإنما في قدرتهم على مناقشة ما تقوله، والتحقق منه، ورفضه حين يلزم. فنجاحنا التربوي أن يمتلك أبناؤنا صوتًا يستطيع الذكاء الاصطناعي مساعدتهم على تطويره، ويظلّون هم أصحابَه.
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
الأستاذ الدكتور ضرار عليان
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
التعليقات (0)