لم تبتلع الحكومة الإسرائيلية اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بيسر وسهولة، ويجد رئيسها عسرا في هضمه، والأهم في تسويغه وتسويقه لحلفائه وأصدقائه، ومن خلفهم الرأي العام الإسرائيلي.
وقد بات يتعين عليه مواجهة طوفان الاتهامات والانتقادات الذي يأتيه من كل حدب وصوب، مهددا صورته ومكانته التي حرص على بنائها كـ"ملك إسرائيل"، ومعرضا فرصه وفرص حزبه وائتلافه للفوز بانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تاركا الباب مفتوحا على مصراعيه مجددا لمواجهة المحاكم بتهم الفساد واستغلال السلطة والتقصير في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وإخفاقه في جني ثمار حرب التدمير التي شنها على إيران، من دون نتائج إستراتيجية تذكر.
في هذه الظروف بالذات، قرر بنيامين نتنياهو- المتهم من إسرائيليين كثر بأنه يخرج من حرب إلى أخرى لمجرد البقاء في السلطةـ أن يقفز إلى مغامرة جديدة دامية ومدمرة شأنها في ذلك شأن جميع حروبه ومعاركه على مختلف الجبهات، وأن يأمر جيشه بفتح أبواب الجحيم على عشرات البلدات والقرى في مختلف الأرجاء اللبنانية، وتمزيق قلب العاصمة بيروت، حتى لو تكلف الأمر إزهاق حيوات مئات اللبنانيين من مدنيين أبرياء، وضرب البنى التحتية من بيوت ومرافق طبية واجتماعية، ما دام أن القتل والتدمير مطلوبان بذاتهما، بمعزل عن أية أهداف عسكرية أو سياسية، مثلما ظل يفعل في غزة ولبنان، ومؤخرا في إيران.
في تفسير حفل الجنون الذي أطلقه نتنياهو بتنفيذ مئة غارة جوية خلال أقل من عشر دقائق ضد لبنان، ثمة تفسيران لا ثالث لهما، من وجهة نظر خبراء ومراقبين، ومن بينهم كاتب هذه السطور:
الأول: أن الرجل قرر إسقاط مقاربة إيران عن "تلازم المسارين" اللبناني والإيراني، وهي المقاربة التي نجحت طهران في تضمينها "الاتفاق الأولي" لوقف إطلاق النار، بدلالة كل ما نشر من نصوص إنجليزية وفارسية وعربية عن هذا الاتفاق، وبشهادة رئيس الوزراء الباكستاني، الوسيط الرئيس في "الصفقة"، الذي قال إن الاتفاق يشمل لبنان كذلك.
والثاني: إلحاق أكبر قدر من القتل والدمار في لبنان، وبالذات في بيئات حزب الله ونازحيه ومهجريه، والبيئات الاجتماعية الحاضنة لأكثر من مليون نازح من الجنوب وضاحية بيروت والبقاع، ضمن تكتيك "الترويع والصدمة"، واستمرارا لإستراتيجية "الكي بالنار" التي طالما اعتمدتها تل أبيب لزرع الرعب في نفوس الأجيال المتعاقبة من الفلسطينيين واللبنانيين والعرب، على أمل أن يكون ذلك درسا رادعا.
💬 التعليقات (0)