"سأكون بين اللوز" سيرة الشاعر والروائي حسين البرغوثي، الذي ولد في بلدة كوبر، قضاء رام الله، عام 1954، وتوفي في 5 أيار 2002 بعد صراع مرير مع مرض السرطان.
يكتب في سيرته «سأكون بين اللوز» يوميات العائد إلى قريته كوبر، ويهمس بصوت مرهف إلى تلك القرية الوادعةالساكنة فوق فوق جبل، كما يوثق رحلته مع المرض اللئيم الذي يتربص به، فيكون للوز اعتباره ومعناه وهو يعرج على قصة زواج والده بوالدته، كما يكون للدير الجواني كل المعاني المخبأة في ذاكرة الصبي الذي كبر وعاد بعد سفر طويل، وعمر قضاه في الشتات، إذ يطل على شرفة البدايات وسنوات الطفولة والشباب ورحلة السفر الطويلة، من زوايا الحنين حتى فصل العودة الأخير إلى أرض البلاد.
هي رحلة الذكريات الممتلئة بالحنين، الحنين إلى الأم والجدّة، والحنين إلى سنوات الطفولة وأول الشباب، وفيها حوار مع ما وراء الحياة والمرض والقيامة بعد الموت، فيها شجاعة تكفي ليتجاوز سفر النهاية بدهشة العودة إلى أرض البدايات. هكذا قرأت حسين البرغوثي في سأكون بين اللوز. عدت أقرأه ثانية، قرأته مرة ثالثة قبل أن أجرب الكتابة عنه، فوفرة السيرة التي وجدتها ترتسم بين دفتي كتاب، وإغواءة الحرف الذي رسمه البرغوثي بحبر قلبه قبل حبر قلمه، دفعتني بفضول قارئمشاكس أن أعود لقراءة " سأكون بين اللوز" أكثر من مرة، وربما سأعود لاحقًا مرة أخرى.
ما ميَّز البرغوثي في «سأكون بين اللوز» أنه لا يكتب عن الألم والمرض وصعوبة العلاج وقسوة التداعيات حين ينهار الجسد، ولا يستحضر الغياب في صور الموت المباشرة، كما درج بعض الكتاب عندما يكتبون مرثاتهم الأخيرة قبل موتهم، بل إنه يقدم إشراقة روحه مع المكان والذكريات الممتدة بعمر السنوات، ويستحضر صورة الأم والابن والزوجة، ويتخذ لنفسه دورًا في الحياد كما زهر اللوز في البساتين وفيء الزيتونة المقمرة، وكما لو أنه يطل على كل ما حوله من مسافة تجعله الرائي والمرئي، وتدفعه ليرسم سيرته بهذا الجمال الكامن في عمق المعنى وتجليات الصور المنتقاة، كمن يتجاوز أوجاعه وجرعات علاجه، ومرارة الوقت الهاجم عليه، ويدخل إلى كوبر المعجونة فيه بذكريات لا ينضب بريقها في مخيلته، فرحًا، مدهشًا، جاعلًا في كل لحظة مساحة للذكرى .
لم يكن حسين البرغوثي متباكيًا شاكيًا من أمراضه وأوجاعه، بل كان طاردًا لها حينًا ومتجاهلها أحيانًا عبر سيرة لم يشأ إلا أن تكون بهذا الجمال الساحر الحقيقي جدًا، وهو العائد لشجر اللوز وزيتونة الدار و"الدير الجواني" كما أشار الكاتب في تسميته لذلك المكان الذي يستدعي فيه ذكريات طفولته وحكايات الآخرين.
"البساتين صارت ولائم للخراب"، يقول حسين البرغوثي في رده على ابن الراعي الذي أخبره، حين سأله عن بستان أبيه، حيث أن المستوطنين ينزلون إليه من رأس الجبل ويطلقون النار، فتوقفنا عن الذهاب إلى البستان.
التعليقات (0)