لم يكن إبراهيم منصور يعدّ الدقائق كما يفعل العشّاق، بل كان يحصي سنوات الغياب دفعةً واحدة. ثلاث سنوات أو تزيد، فصلته عن زوجته، وعن طفلٍ وُلد بعيدًا عنه، كأن القدر أراد أن يختبر صبره إلى أقصى حد. وفي ذلك اليوم، أخيرًا، صار الانتظار ملموسًا… ساعات قليلة فقط، ويحتضن عائلته عند معبر رفح.
قبل يومين وفي الثامن والعشرين من ابريل، بدا كل شيء مختلفًا. الشوارع التي أنهكها القصف بدت أقل قسوة في عينيه، والهواء الذي اعتاد رائحة الدخان صار أخفّ. أخبر من حوله أن “اليوم يومي”، كان يبتسم أكثر من المعتاد، ويكرر اسم ابنه بصوت خافت، كأنه يتدرّب على اللقاء الأول.
لم يكن قد رأى طفله من قبل. كان يعرفه من صورٍ قليلة، ومن مكالمات متقطعة، ومن حكايات زوجته عن ملامحه الأولى. كان يتخيله يشبهه، أو ربما يشبهها أكثر. لم يكن ذلك مهمًا… المهم أنه سيحمله أخيرًا.
قبيل الظهيرة، خرج إبراهيم. لم يكن ذهابه عاديًا، بل كان أقرب إلى ذهابٍ نحو حياة جديدة. خطوة واحدة تفصله عن النهاية الطويلة للغياب، وخطوة أخرى نحو بداية بيتٍ يعود إليه الدفء.
لكن في غزة، لا تسير القصص كما تُكتب.
دوّى صوت القصف فجأة. غارة جديدة، في مكانٍ لم يكن يُفترض أن يكون هدفًا في تلك اللحظة. لم تكن هذه المرة مجرد خبر عابر في شريط عاجل، بل كانت نهاية قصة كان على وشك أن تبدأ.
💬 التعليقات (0)