تؤكّد المعطيات السّياسيّة والبرلمانية لانتخابات الكنيست عمق المأزق البنيوي داخل النظام السياسي الإسرائيلي، حيث تعكس الأرقام استحكام حالة الاستعصاء والتشظي المؤسسي. فرغم تصدر حزب "الليكود" للمشهد الانتخابي وبروز قائمة "يشار" كقوةمعارضة صاعدة بقيادة غادي أيزنكوت، تظل السمة الحاكمة هي عجز المعسكرات التقليدية عن الوصول إلى أغلبية الحسم دون تسويات شاقة ومعقدة، في ظل انقسام شبه متكافئ بين تكتل اليمين والحريديم من جهة، والمعارضة الليبرالية والأمنية من جهة ثانية. هذا الانسداد لا يعبر عن مجرد أزمة ائتلافات عابرة، بل يكشف جدليّة الثّابت والمتغير التي تحكم العقل السياسي الإسرائيلي وعلاقته بالصّراع التاريخي والوجودي مع الشعب الفلسطيني.
تتجلى الثوابت البنيوية للمنظومة الاستعمارية في استمرار الهيمنة المطلقة للعقيدة الأمنية والإجماع الصهيوني على نفي الحقوق الوطنية الفلسطينية. فعلى الرغم من حدة الاستقطاب الداخلي، تظل السياسة الاستراتيجية العليا متطابقة حول رفض إنهاء الاحتلال، واستبعاد إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، والتمسك بالسيطرة الأمنية العسكرية الشاملة على كامل الجغرافيا بين النهر والبحر. كما يتكرس الانقسام المجتمعي والهوياتي كعنصر ثابت ينهش بنية الدولة؛ فالصراع المحتدم حول هوية اسرائيل بين تيار قومي ديني حريدي وساعٍ لحسم الصّراع وبين نخبة ليبرالية أمنية تدافع عن طابع الدولة المؤسّسي، إلى جانب معضلات التجنيد واستقلال القضاء، يعكس تصدعًا داخليًّا عميقًايجعل أي حكومة ناشئة هشّة ومعرّضة للسّقوط السّريع.
في المقابل، برزت متغيرات لافتة أعادت تشكيل موازين القوى، أبرزها تآكل الاحتكار اليميني التاريخي وصعود أسماء عسكرية سابقة حاولت تقديم نموذج "اليمين الأمني المؤسسي" العقلاني كبديل لشعبوية اليمين المتطرف، إلى جانب المتغير الأكثر حسمًاوالمتمثّل في القفزة النوعيّة لنسبة تصويت وتمثيل المجتمع الفلسطيني في الداخل؛ حيث عززت "القائمة المشتركة" و"القائمة العربية الموحدة" حضورهما البرلماني ب 19 مقعدًامتقدمًا. هذه الأرقام رسّخت القوى العربية ككتلة سياسيّة لا يمكن تجاوزها حسابيًّا لإغلاق الباب أمام هيمنة يمينيّة فاشيّة مطلقة، ممّا جعل الصّوت العربي رقمًا صعبًا ومعادلة ردع مفصليّة في هندسة المشهد السّياسي.
تنعكس هذه الديناميات بوضوح عند تفكيك الرؤيتين المتنافستين في الحلبة الإسرائيلية: رؤية بنيامين نتنياهو مقابل رؤية غادي أيزنكوت. فالتباين بين الطرفين لا يمس جوهر المشروع الاستعماري بل يتمحور حول آليات ادارته وضمان استدامته بأقل التكاليف. يعتمد نتنياهو على عقيدة ادارة الصّراع وتخليده عبر فرض الضّم التدريجي للأرض، وتفكيك السّلطة الوطنيّة وتحويلها إلى كانتونات وظيفيّة مجزأة، مع القفز فوق القضية الفلسطينية عبر التطبيع الإقليمي، مستندًا إلى تحالف عضوي صلب مع التيارات الدينية القومية لحماية بقائه السياسي وإخضاع القضاء والمؤسسات للقرار الحزبي. في الجهة المقابلة، ينطلق أيزنكوت من منظور أمني مؤسسي يرى في استمرار الوضع الراهن خطرًاديموغرافيًا وأمنيًّا يهدّد يهوديّة الدولة، مما يدفعه نحو طرح مبدأ "الانفصال الاستراتيجي" أحادي الجانب لمنع الانزلاق إلى واقع الدولة ثنائية القومية، مع بقاء اليد الأمنية والعسكرية الإسرائيلية طليقة. وفي الوقت الذي يصعّد فيه نتنياهو ضد الضغوط الدولية لخدمة توازناته الحزبية، يسعى أيزنكوت إلى ترميم التحالف العضوي مع الولايات المتحدة وإعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية والقضائية، وتفادي الغرق في حروب استنزاف طويلة ومفتوحة عبر ترتيبات مرحلية تعيد الأسرى وتؤمن الحدود.
تفرض قراءة هذه الأرقام والتحولات من زاوية وطنية فلسطينية التخلي التام عن أوهام الرهان على "معسكر سلام صهيوني" مفقود؛ فالتنافس الإسرائيلي محصور عمليًا بين يمين متطرف يسعى لحسم الصراع بالقوة والضم، ومعارضة أمنية تطمح لتحسين إدارة الاحتلال وترشيد كلفته. إلا أن دلالة الثقل الرقمي للقوائم العربية تكشف عن وعي جماهيري متجذر بجدوى أدوات التأثير السياسي للدفاع عن الوجود والأرض ومواجهة سياسات التمييز والجريمة المنظمة، فضلاً عن تعميق الشلل الائتلافي الإسرائيلي الذي يحد من قدرة أي حكومة مقبلة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى بحرية ومناورة واسعة.
يتطلب استثمار هذه اللحظة نقلة نوعية في العقل السياسي الفلسطيني، ترتكز بالأساس على مأسسة العمل الشعبي وتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة؛ فالأصوات التي تدفقت إلى الصناديق لا يجوز حصرها في أروقة الكنيست أو استخدامها كمجرد بطاقة تفاوضية داخل لعبة البرلمان، بل يجب ترجمتها إلى طاقة تعبئة مستدامة عبر إعادة الاعتبار لـ"لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية" كهيئة قيادية تمثيلية جامعة، وإعادة هيكلتها ومأسستها لتصبح ناظمًا حقيقيًا للحراك الشعبي والدفاع المدني. إن تمكين وتطوير لجان الحماية الشعبية والمجالس المحلية يمنح الجماهير درعًا منظمًا لمواجهة الهدم والتهويد ومحاصرة مخططات تفتيت المجتمع ونشر الجريمة، مما يحول الصوت البرلماني إلى امتداد سياسي لنضال قاعدي متجذر على الأرض.
التعليقات (0)