حين ينتقل التصويت في الكنيست من خيار سياسي محلّ خلاف، يرفضه كثيرون لأسباب فكرية ووطنية، إلى ضرورة يُروَّج لها باعتبارها الطريق العاجل للتغيير، وهنا أقصد أيضًا المناشدات التي تأتي من الخارج، أو ممن ساهم في الترويج للتصويت بعد سنوات من المقاطعة، والنداء لتيار المقاطعة بالعزوف عن موقفه، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بصندوق الاقتراع وحده، بل بكيفية تشكّل الوعي السياسي وإعادة توجيهه.
يتضح هذا التحوّل في المواقف، الذي جاء في سياق انسداد الأفق السياسي، وخاصة بعد سنوات من الحرب على غزة ولبنان وما رافقها من مشاهد الهدم والقتل والدماء التي تكررت على نطاق واسع في التغطيات الإعلامية، فضلًا عن اتهامات ومواقف حقوقية وصفت بعض هذه الممارسات بأنها ترقى إلى جرائم جسيمة.
ومع هذا التكرار، قد تترسّخ رسالة ضمنية مفادها أن من يفكر في أي خيار مناهض للسياسات الإسرائيلية، فإن مصيره الهدم والترويع والتهجير، وكأن هذه الممارسات قدر لا يمكن دفعه، أو أن الخلاص منها لا يكون إلا بالتعويل على طرف إسرائيلي آخر.
ناهيك عن التضليل الإعلامي، وصناعة الخوف، والتطبيع مع الظلم، وهي عوامل قد تسهم، مع تراكمها، في قلب المعايير وإعادة ترتيب الخيارات السياسية، حتى يصبح ما كان مرفوضًا بالأمس ضرورةً يُروَّج لها اليوم، لا عن قناعة بالضرورة، بل في ظل انسداد الأفق والشعور بالعجز أمام حجم المأساة. وفي هذا السياق، يبرز السؤال عن دور الانتخابات الإسرائيلية وأزمة الشرعية في إعادة تشكيل الوعي السياسي.
وخاصة بعد أن ناشد الفلسطيني الشعوب العربية وحكّامها، والعالم الغربي، واستنفد ما استطاع من وسائل الضغط والمناشدة، بات بعض الفلسطينيين ينظرون إلى التغيير من داخل المجتمع الإسرائيلي باعتباره أحد المخارج الممكنة، حتى يصل الأمر إلى التعويل على إسرائيلي يرفع عنه الظلم الذي يمارسه إسرائيلي آخر.
وهنا يكمن السؤال: هل يعني انسداد الأفق أن نعيد النظر في ثوابتنا، أم أن نبحث عن وسائل أخرى للتغيير من دون أن نُسلّم بأن خياراتنا محصورة بين أطراف المنظومة ذاتها؟
التعليقات (0)