بنغمات خشبية تخترق سكون المكان، وتتردد أصداؤها في المضارب والقرى، لم يكن "المهباش" الأردني يوما مجرد أداة صماء لطحن حبوب القهوة.
لقد كان "شيفرة تواصل" اجتماعي، ونافذة إعلامية حية، وجزءا من لغة اجتماعية أوسع ارتبطت بالكرم، وعقد الصلح، وحسم المواقف في الأفراح والأحزان.
ورغم أن المهباش كان حاضرا في مقتنيات البيت الأردني عموما، فإنه احتل مكانة استثنائية ورمزية أعلى في مجالس الشيوخ والمضافات الكبرى ليعكس نفوذ أصحابها. ولم يكن المهباش يعمل منفردا، بل كان حلقة مركزية ضمن منظومة طقسية متكاملة تبدأ بتحميص البن على "المحماسة"، مرورا بدقه الإيقاعي، وصولا إلى طبخه في "الدلة".
ونظرا للمشقة والجهد البدني الذي يتطلبه إشعال النار والطحن، ارتبطت هذه المهمة تاريخيا بالرجال؛ إذ كانت المضافات الكبيرة تخصص رجلا خبيرا يُعرف بـ"القهوجي" أو "الفداوي" ليتولى أصول هذه الصناعة.
تكتسب هذه الأداة صلابتها ورنينها الفريد من طبيعة المادة الخام؛ إذ يُنحت المهباش تقليديا من خشب "البطم" القاسي. ومع ندرة هذه الشجرة في الأردن، لجأ الحرفيون لاحقا إلى أخشاب الكينا، والسلم، والخروب، والمشمش، والتين.
وقد تنوعت أحجامه وزخارفه بين البادية والريف، وإن كان يشهد اليوم تحولا متزايدا من أداة للاستخدام اليومي إلى قطعة زينة تراثية أو منتج سياحي.
التعليقات (0)