تقوم رواية "وارث الشواهد" للكاتب الفلسطيني وليد الشرفا على ثلاثة سياقات كبرى، النكبة الفلسطينية بامتداداتها المتعاقبة من عام 1948 إلى أوسلو، والروايات الدينية الإبراهيمية الثلاث وتنازعها على الأرض والوعد، والحداثة الغربية بما ترفعه من شعارات التنوير والإنسانية والعدالة. وتتشابك هذه السياقات في بنية دائرية يغذي بعضها بعضاً، فلا يمكن الإمساك بأحدها بمعزل عن البقية. وتُهيمن على الرواية ثيمة الإرث بوصفه عبئاً. فالعنوان نفسه يضع القارئ أمام مفارقة جوهرية فـ"الوحيد"، البطل والسارد، يرث شواهد قبور أجداده وأبيه، ويرث معها مهمة الشهادة على ما جرى. والشاهد في العربية هو الحجر المنصوب على القبر تذكيراً بالميت، وهو أيضاً من يحمل الشهادة ويروي ما رأى.
وتتصل بهذه الثيمة فكرة تعدد الروايات بوصفها لعنة تاريخية، إذ يتم استدعاء روايات متزاحمة: رواية الرب لشعبه، ورواية اليهود للأرض الموعودة، ورواية المسيحية بالفداء، ورواية الإسلام بالإسراء والمعراج، ورواية صلاح الدين بتحرير القدس. ويختزل الوحيد موقفه من ذلك كله في عبارة لاذعة تلامس نقد فوكو للمعرفة/السلطة ونقد نيتشه للحقيقة، "التاريخ شهادة زور الحاضر، التاريخ نرجسية الدليل". ويغدو الموت في هذا الأفق شرطاً تأسيسياً للهوية الفلسطينية؛ فالأب يُقتل عام 1967 قرب نابلس ويُدفن شهيداً مجهولاً ثم يُنبش قبره ويُعاد دفنه، والجد يحمل موت قريته عين حوض، والأم تنتظر ابناً لن يعود. وتبلغ الرواية ذروتها في تقديم العدالة على المحبة، إذ يقول الوحيد لصديقه الطبيب المسيحي "إن سؤال العدالة أهم من سؤال المحبة يا بشارة. فاسأل نفسك وربك عن روايته الحقيقية"، فتصير المحبة آلية لطمأنة الضحية وتبرير العدوان، وتصير العدالة اعترافاً كاملاً بالأذى ومطالبة بردّه.
ويقترب موقف الرواية العام من العدمية، فبحسب الرواية فشلت رسالة الأنبياء بانتهائها إلى نقيض ما دعت إليه، وفشلت الحداثة الغربية بإقامتها دولة دينية استجابةً لوعد توراتي، وفشلت الاشتراكية بقبولها منطق الاستعمار الاستيطاني. ومع ذلك يحتفظ السارد بأمل لا يأتي من خارج التاريخ، فالشهادة والكتابة والمقاومة فعل فردي، وتتضافر الرموز لتشكيل هذا الأفق، من جبل الكرمل بوصفه مرادفاً للأرض كلها، إلى شاهد القبر الذي يتحول من علامة على موت الأب إلى علامة على تاريخ كامل من التهميش، إلى أسطورة سليمان والجن التي تؤسس ميثاق الرواية، يسأل سليمان عن الكلام الذي تبدّده الريح، فيُسأل "ما يقيده؟" فيُجاب: "الكتابة". وبهذا تصير الكتابة المعجزة الوحيدة المتاحة للإنسان المعاصر، ويتحول الوحيد نفسه إلى صورة من نبي علماني يحمل رسالة فيُضطهد ويُسجن، وتُقام له محاكمة تذكّر بمحاكمات الأنبياء.
تقوم الرواية على بنية متعددة ومتعاقبة الأصوات، الراوي العام، والوحيد وهو يروي سيرته، وبشارة الطبيب وهو يكتب تقريره، وريبكا زوجة الوحيد في رسالتها المترجمة، وجوليانا ابنة بشارة في الفصل الأخير. وهو ما يعزّ. من فكرة أن الحقيقة لا يمتلكها صوت واحد. وتتوازى مع تعدّد الأصوات الثنائيات الدّالة، القبر الأول والقبر الثاني، وعين حوض القديمة وعين حوض الإسرائيلية، والحلم والواقع، والمسرح والمحكمة، حتى تبدو الثنائيات وجوهاً متعددة لذاكرة واحدة.
ويتجلى جهد د.وليد الشرفا في توظيف التقرير الطبي إطاراً شكلياً، فبعد الفاتحة تنقسم الرواية إلى فصول بعناوين طبية مثل "بداية ظهور الأعراض" و"تشخيص: حمى بأثر رجعي" و"عدوى المؤرخ تصل ذروتها". والرواية فعليا هي تقرير يكتبه الطبيب بشارة عن حالته بعد أن أصيب بـعدوى مريضه، فيُقدَّم الوعي السياسي بالقضية الفلسطينية مرضاً يُلتقط، أو بالأحرى صحة تُستعاد بعد غفلة طويلة. وفي مستوى الإيقاع يؤدي التكرار وظيفة سردية تحاكي فعل الذاكرة؛ فحكايات الجد عن عين حوض تتكرر عبر الفصول، وهو، كما يقول السارد، "سيعيدها يومياً دون أن يخطئ أو يزل بكلمة". وتأتي الجملة الطويلة المتداخلة محاكاةً لتدفق الذاكرة، ويخدم الاسترجاع منطقها حين تتشابك الأزمنة في الزنزانة، ويتناوب المشهد الحاد مع الفقرة التأملية تناوب الشهيق والزفير.
ترتبط البنية النفسية لشخصيات الرواية بالسياق التاريخي، فللتاريخ قوة فاعلة تصوغ الوعي. يبدأ هذا السياق بنكبة 1948 وسقوط عين حوض، ويتكرر في الجدّ الذي يروي المشهد يومياً حتى يصير هو نفسه جزءاً منه، ثم يأتي مقتل الأب عام 1967 ودفنه تحت عبارة "هنا قبر الشهيد المجهول". وهذا الحدث الذي يقع في طفولة الوحيد يصبح لحظة تأسيس لوعيه، فالأب يُفقد مرتين، حين يُقتل وحين يُنبش قبره. ويظهر الجدّ بديلاً عن الأب، حتى يقول الوحيد: "كان والدي وجدي وصديقي"، غير أن هذا البديل يحمل بدوره ذاكرة الفقد الأول، فيرث الوحيد الفقد مضاعفاً، فقد الأب وفقد الوطن. ويتطور وعي الوحيد عبر محطات ثلاث، طفولة مأمورة يردّد فيها ما يردّده الجدّ ويقول "كنت أنا ظله"، ومنفى يستيقظ فيه وعيه النقدي حين يكتشف نفاق الحضارة الغربية ويتساءل "أستغرب كيف يرى هؤلاء الإنسانية هنا ولا يرونها هناك؟! كيف يبكون في المسرح ولا يبكون في الواقع؟!"، وسجن يتحوّل فيه من ضحية إلى فاعل سرديّ يروي قصته بملء فمه. ويفسّر تكوين الكاتب الأكاديمي، وأطروحته عن الخطاب عند إدوارد سعيد، نزوعه النقدي التفكيكي ونقده للروايات الغربية عن فلسطين، وتتجاوز الرواية الفرد إلى ذاكرة جماعية تنتقل من جيل إلى جيل بإعادة سردها.
التعليقات (0)