جاءت انتخابات الكنيست السادس والعشرين، لتضع المجتمع السياسي الإسرائيلي أمام مرآة انقساماته العميقة، في محطة اعتبرها الكثيرون الأهم والأكثر تأثيراً في التاريخ السياسي الحديث في إسرائيل. فهذه أول انتخابات عامة تُجرى منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تلاها من زلازل عسكرية وإقليمية ممتدة. ومع فرز الجزء الأكبر من الأصوات والاقتراب من إعلان النتائج الرسمية، تشير الأرقام بوضوح إلى ذات الحقيقة المألوفة: توازنات حرجة، واستعصاء معقد، ومآل معلق بين معسكرين يعجزان عن بلوغ عتبة الـ 61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة.
تمركزت الحملات الانتخابية حول ثنائية أمنية وجودية؛ فبينما حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تسويق نفسه مجدداً بوصفه "سيد الأمن" القادر على إدارة الصراعات المتعددة الجبهات مع غزة وإيران ولبنان واليمن، بنى منافسوه- وعلى رأسهم رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت زعيم حزب "يشار"- خطابهم على الإخفاقات الاستراتيجية التي قادت إلى أحداث أكتوبر، مطالبين بضرورة تشكيل لجان تحقيق رسمية وتغيير جذري في بنية القيادة السياسية. ومع ذلك، يبدو أن الشارع الإسرائيلي لم يمنح تفويضاً مطلقاً لأي من الرؤيتين، مفضلاً توزيع أصواته بشكل يُبقي الجمود سيد الموقف.
تُظهر القراءة الأولية لنتائج الاقتراع بقاء حزب "الليكود" كأكبر قوة برلمانية منفردة، لكنه يقف عاجزاً مع حلفائه التقليديين من اليمين القومي المتطرف والأحزاب الدينية (الحريديم) عن تأمين الأغلبية الحكومية. في المقابل، حققت المعارضة بقيادة آيزنكوت وبالتحالف مع قوى الوسط واليسار الصهيوني تقدماً ملموساً، دون أن تمتلك بديلًا ائتلافياً متماسكاً وجاهزاً للتطبيق.
أما المفاجأة الأبرز التي أعادت رسم تضاريس اللعبة السياسية، فتمثلت في النسبة القياسية لـ "الصوت العربي"، حيث تشير البيانات إلى صعود لافت للأحزاب والقوائم العربية التي تقترب من حصد نحو 19 مقعداً. هذا الصعود وضع المعسكرين الصهيونيين في مأزق بنيوي؛ فالمعارضة تجد نفسها مضطرة للاختيار بين تنسيق صعب وغير مسبوق مع القوائم العربية لإزاحة نتنياهو، أو الدخول في مساومات شاقة مع أطراف يمينية تضع خطوطاً حمراء فاقعة تجاه أي تقارب مع الصوت العربي.
تتجاوز معضلة تشكيل الحكومة في إسرائيل الخلاف البرلماني التقليدي لتلامس تصدعات اجتماعية ودستورية غائرة؛ ومن أبرزها:
• أزمة التجنيد الإلزامي (الحريديم): والتي تحولت من نقاش قانوني إلى معركة سياسية هددت استقرار التحالفات، حيث يصر الوسط العسكري والعلماني على إنهاء الإعفاءات التاريخية لليهود المتشددين.
التعليقات (0)