"الرواية مساحة اشتباك معرفي، وحقل اختبار للوعي الإنساني في عالم تتبدّل فيه أشكال العيش والانتماء والتعبير. وهي وثيقة مضادّة للتاريخ السائد؛ إذ تتحوّل، عبر هذا المسار، إلى مساحة لمساءلة السرديات الكبرى، وإعادة توزيع الضوء على التجربة الإنسانية اليومية، بعيدا عن الخطابات الاحتفالية والانتصارية"
بهذه العبارات المفتاحية، يحدد الروائي والناقد السوري هيثم حسين زاوية نظره إلى فنّ الرواية، والتي ترجمها في كتابه الصادر حديثا عن دار "رامينا" تحت عنوان "أثر الرواية: في تجربة الكتابة الروائية". ويقدم الكتاب مقاربة تجمع بين النقد والمكاشفة الذاتية، لتغدو الكتابة تجربة إنسانية تتجاوز صناعة الحكاية إلى اشتباك وجداني مع السرد في الحياة اليومية، وتأمل في التحوّلات المتسارعة لعالم اليوم.
يحاول حسين بلورة رؤية شاملة تجمع بين أسئلة نقدية وجمالية وعملية؛ تمتدّ من الذاكرة والمنفى والذات في المتخيَّل، وتمرّ ببناء الشخصيات وتوليف الحبكة، لتصل إلى شروط النشر، وتنفتح لاحقا على قضايا الفلسفة والعالم المتغيّر.
في موضوعته الأولى "فضاء مفتوح"، يُبرم الكاتب عقدا ضمنيا مع قارئه، مفاده أن الرواية تقوم "على فعل اختبار دائم للوجود الإنساني"، ولذلك فإن الفضاء السردي يعمل كمختبر مفتوح تتحرّك فيه التجربة البشرية داخل شبكة من الاحتمالات. فالرواية ليست حكاية عن ماضٍ انقضى، بل معمار حكائي تتجدّد دلالته مع كلّ قراءة؛ إذ يدعو القراء ليكونوا شركاء في صياغة المعنى عبر تفاعل يصفه حسين بأنه "كتابة صامتة" تجعل من العمل الروائي كائنا ثقافيا حيا.
وينتقل الكتاب إلى رصد علاقة الرواية بالهوية والتراث، قبل أن ينفتح على نقاش أكثر خصوصية حول "اشتباك الحياة مع السرد". هنا، يتناول أعمالا استلهمت مادتها من السيرة الذاتية لكتّابها، مثل "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، و"تكلّمي أيتها الذكريات" لفلاديمير نابوكوف، و"الخبز الحافي" لمحمد شكري، و"الأيام" لطه حسين.
وفي هذه الأعمال، تحضر الكتابة الذاتية كمساحة يتقاطع فيها الفردي بالجماعي، وتتحول تفاصيل الحياة الخاصة إلى مادة قابلة للتأويل خارج حدود تجربتها الأصلية.
التعليقات (0)