تشهد ألبانيا واحدة من أكبر موجات الاحتجاجات الشعبية في تاريخها، والأوسع منذ وصول رئيس الوزراء "إيدي راما" إلى السلطة عام 2013. وما بدأ احتجاجا بيئيا على مشروع سياحي فاخر مثير للجدل، يرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، سرعان ما اتسع ليتحول إلى حراك أوسع يندد بالفساد وتردي التعليم ومحدودية فرص العمل.
وتتصدر المطالبة باستقالة راما شعارات المحتجين، في حين يرفض رئيس الوزراء التنحي، متهما "أيادي خارجية" بالمشاركة في الاحتجاجات واستغلالها. لكن الحراك يتجاوز في دلالاته مصير راما السياسي، ليفتح الباب أمام تساؤلات أعمق بشأن طبيعة النظام الألباني في مرحلة ما بعد الشيوعية، ونفوذ الأوليغارشية في الاقتصاد، وآفاق انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي.
في أواخر عام 1944، أحكم الشيوعيون سيطرتهم على ألبانيا، قبل أن يرسخ أنور خوجة حكما سلطويا قمعيا، حول البلاد إلى واحدة من أكثر دول أوروبا انعزالا، حتى لقبَت بـ"كوريا الشمالية الأوروبية". وبلغ الأمر ذروته عام 1967، حين أعلن خوجة ألبانيا أول دولة ملحدة في العالم، وشن حربا على الأديان، فحظر الممارسات الدينية، وأغلق المساجد والكنائس، بل ودمر بعضها، وحول عددا منها إلى منشآت مدنية، حتى باتت ممارسة الشعائر الدينية سرا سببا للاعتقال.
ولم تقتصر عزلة خوجة على قطع صلات الألبان بالعالم الخارجي، بل امتدت إلى حلفاء بلاده السابقين. فقد أدت خلافاته مع الزعيم اليوغوسلافي جوزيف تيتو إلى القطيعة بين البلدين عام 1948، ثم قطع علاقاته مع الاتحاد السوفياتي عام 1961، احتجاجا على مراجعة نيكيتا خروشوف إرث ستالين وسياساته، ثم انسحب من حلف وارسو عام 1986. وفي عام 1978، قطعت ألبانيا علاقاتها مع الصين، بعد خلافات بشأن توجهاتها السياسية وانفتاحها على الولايات المتحدة.
"قضى خوجة رئاسته الطويلة في الاستعداد لحرب لم تأت أبدا"
عاش خوجة أسير مخاوف أمنية من حلف "الناتو" من جهة، وحلف "وارسو" من جهة أخرى. ودفعه هاجس التعرض لهجوم خارجي إلى إطلاق مشروع واسع للتحصينات العسكرية، أُنشئ في إطاره أكثر من 170 ألف ملجأ وتحصين خرساني توزعت بين الجبال والقرى والشواطئ، استعدادا لحرب لم تقع. وقد تركت هذه التحصينات أثرا بارزا في المشهد الألباني. وتوفي خوجة عام 1985، بعد أربعة عقود من الحكم، وخلفه رامز عليا، الذي واصل قيادة البلاد مستندا إلى أجهزة الأمن، وفي مقدمتها جهاز "سيغوريمي" سيئ السمعة.
التعليقات (0)