غزة- مد محمد الدعالسة يديه إلى ابن أخيه في ثلاجة الشهداء بمستشفى الشفاء، يريد أن يكفّنه ويودعه الثرى، وقد بات الصغير ليلته كلها مسجى في صقيع البراد بين جثامين أهله، فإذا الجسد الضئيل يتحرك بين يديه ويتنفس، والروح التي ظنها الجميع قد فاضت تتعلق بأهداب الحياة.
ضمّ العم الطفل إلى صدره، وانطلق يعدو به عبر ردهات المستشفى نحو العناية المركزة، منصرفا عن كل ما حوله، فلم يبق في وجدانه، كما يروي، سوى هذا الصغير العائد من تخوم الموت.
وكان الدعالسة (41 عاما) قد نجا من المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق عائلته في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتل فيها 32 فردا من أسرته وخرج منها وحيدا، بعدما فقد ابنه الوحيد وزوجته الحامل بـ3 أجنة.
اليوم، يعيش محمد في خيمة نزوح بغزة، وقد اقترن قبل 10 أشهر بنهى أبو شحمة، الناجية من مجزرة قتلت فيها عائلتها يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل ساعات من المجزرة التي أودت بعائلة زوجها، ويعيلان اليوم ناجيا وحيدا.
تتعلق أبصار الثلاثة في الخيمة بعضهم ببعض، يرقب كل منهم صاحبه بعين وجلة، ويتخاطبون بالنظرات خشية فقد جديد، فيما يشب الصغير، وقد أتم عامه السادس، بين عم صار له الأهل جميعا، وامرأة يناديها ماما.
يستعيد محمد -للجزيرة نت- اللحظات الأخيرة قبل استهداف منزلهم، حين كانت العائلة مجتمعة في ليلة اشتد فيها القصف الإسرائيلي على المخيم، فالتفتت إليه زوجته تسأله إن كان سيتزوج من بعدها إذا استشهدت، فأجابها دون تردد "تحرم علي نساء الأرض جميعا من بعدك" فرفضت وفاءه واستحلفته أن يتزوج، وقالت "أمانة في عنقك، وإن لم تفعل فلن أسامحك أبدا".
التعليقات (0)