إن الحديث عن دعم الشباب والاستثمار في المستقبل يظل شعاراً أجوف ما لم يترجم إلى سياسات تحمي حق الطالب في الوصول إلى مقعده الدراسي بكرامة وأمان؛ ففي قطاع غزة ، لم تعد رحلة الحصول على الشهادة الجامعية لطلبتنا القادمين من المحافظات الجنوبية مجرد مسيرة تعليمية وأكاديمية، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى رحلة استنزاف يومية قاسية تطال الجسد والوقت والعصب المالي للأسرة الفلسطينية المنهكة أساساً، فمع عودة التعليم الوجاهي في بعض جامعات غزة، وجد آلاف الطلبة القادمون من خانيونس ودير البلح والوسطى أنفسهم أمام تحدٍّ لا يقل قسوة عن الأزمات الاقتصادية المركبة التي يعيشها القطاع؛ تحدي المواصلات المرهقة والمكلفة التي باتت تشكل كابوساً يؤرق مضاجع العائلات وتستنزف مقومات صمودها.
وعندما نتحدث عن كلفة هذه الرحلة اليومية، فنحن لا نتحدث عن مبالغ مقدورة، بل عن أرقام خيالية تقصم الظهر مقارنة بالوضع المالي والانعدام الحاد للدخل؛ إذ تتراوح تكلفة الذهاب والإياب اليومية للحي الواحد من جنوب خانيونس حتى 80 شيقلاً، ومن خانيونس البلد تصل إلى 60 شيقلاً، بينما تتراوح من دير البلح والمنطقة الوسطى بين 30 إلى 40 شيقلاً، ومن شمال غزة 20-30 شيقل إن هذه مبالغ شهرية تتجاوز في كثير من الأحيان قيمة القسط الجامعي نفسه، لتضع الأهالي بين نيران الرسوم الجامعية وأعباء الطريق، وتضع الطالب بين فكي الفقر والعجز عن المواصلة.
ولا تتوقف هذه المعاناة عند الشق المالي المعقد، بل تتعداه إلى مشقة الطريق وساعاتها الطويلة التي تستنزف طاقة الطالب الذهنية والبدنية، فالانتظار الطويل واكتظاظ المركبات والظروف الميدانية الصعبة تجعل الطالب يصل إلى قاعة المحاضرات وهو في حالة من الإنهاك التام تعيقه عن التركيز والتحصيل العلمي، ويعود إلى بيته مساءً محطماً غير قادر على المذاكرة، وإن هذا الواقع المؤلم يفرض علينا جميعاً، كجامعات ومؤسسات وأولياء أمور ومجتمع، أن نقف أمام مسؤولياتنا الوطنية والأخلاقية بجدية، وألا نكتفي بمسكنات الكلام أو ترك الطالب يواجه مصيره وحده، لأن استمرار هذا الوضع يهدد المسيرة التعليمية لمئات الطلبة وقد يدفع بعضهم قسراً إلى تأجيل دراستهم أو العزوف الكامل عنها.
ومن هنا، فإن التحرك الجماعي والمُطالبة بحلول جذرية أصبحت ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل، وتستدعي تضافر جهود إدارات الجامعات مع وزارتي التعليم والنقل والمؤسسات المجتمعية والدولية لتبني مبادرة إنقاذ عاجلة، وإن الحل الأمثل والممكن يكمن في تنظيم حركة نقل مكفولة للطلبة عبر إطلاق حافلات جامعية مُنظمة أسوة بتلك المخصصة لنقل الموظفين، بحيث تنطلق من نقاط تجمع مركزية ومعروفة في محافظات الجنوب والوسطى، ومن شمال غزة لنقل الطلبة مباشرة إلى جامعاتهم، على أن تكون هذه المواصلات مدعومة بالكامل أو بأسعار رمزية خفيفة للتخفيف عن كاهل العائلات، مع إدارتها وضبطها بدقة من خلال إصدار كروت أو "كرنيهات" تعريفية جامعية مخصصة لطلبة الجنوب المستفيدين.
وبناءً على ما تقدم، فإننا نتوجه بهذا النداء العاجل والمباشر، الذي يحمل إصرار الطلبة وأهاليهم، إلى إدارات الجامعات الفلسطينية ووزارتي التربية والتعليم العالي والنقل والمواصلات، ونخص بالذكر المؤسسات الإغاثية والدولية والجهات التي تدعم وتوفر حصص الوقود والسولار المخصص للنقل، وإن المسؤولية اليوم تقع مباشرة على عاتق هذه المؤسسات لتخصيص حصص سولار مدعومة ومباشرة لأسطول حافلات النقل الجامعي، لتقليل تكلفة التشغيل التي يكتوي بنارها الطالب، وإن توفير السولار المدعوم لهذه الحافلات هو المدخل العملي والوحيد لتخفيض التكلفة وتوفير مواصلات مجانية أو بأسعار رمزية، وإننا نضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية والإنسانية، ونطالب بقرارات فورية تترجم هذا النداء –مدعم بمناشدات ومطالبات مئات الطلبة وأولياء أمورهم والمتضامنين- إلى خطة عمل ميدانية، قبل أن نفقد المزيد من طلبتنا بسبب عجزهم عن دفع ثمن الطريق إلى مقاعد الدراسة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
التعليقات (0)