لم تترك آلة الحرب الإسرائيلية فوق أرض غزة جداراً يستند إليه المتعبون إلا وهدمته، ولم تذر بيتاً يأوي الأطفال والنساء إلا وحولته إلى ركام، في محاولة بائسة لدفن إرادة الحياة لدى هذا الشعب تحت أطنان من الغبار والخرسانة.
وحين أطبقت سلطات الاحتلال حصارها الخانق، ومنعت دخول حبة إسمنت واحدة لإعادة الإعمار، ظانّةً أن الفلسطيني سيركع أو يستسلم لواقع العراء، كانت غزة كعادتها تفكك المستحيل، وتبتكر من العدم وسيلة للبقاء، حتى لو كلفها ذلك النبش في بطن التاريخ والغوص في أعماق البحر المتلاطم.
في مشهدٍ يمتزج فيه البؤس بالأسطورية، تيمم عشرات الشبان والعمال وجوههم شطر شاطئ بحر غزة، لا نزهةً ولا ترويحاً، بل غوصاً وصراعاً مع الأمواج لاستخراج أطنان من الإسمنت المتحجر القابع في جوف باخرة تجارية غرقت وقضت نحبها قبالة الساحل منذ عشرات السنين. أخبار ذات صلة "وخزات الموت الصامت".. أطفال السكري في غزة بين أنياب الحصار وتلف الأنسولين السعودية تهزم الإمارات وتتوج بكأس الخليج للمرة الرابعة في تاريخها
هذا الإسمنت الذي نسيه الزمن وعمّدته مياه البحر المالحة، يخرج اليوم بسواعد سمراء شقّقها الصخر، ليعاد طحنه وإعادة تدويره في معامل بدائية، فيغدو المادة الأساسية الوحيدة لبناء أسقف الخيام، وترميم ما يمكن ترميمه من جدران البيوت المنهكة، في تحدٍ صارخ للحصار الذي يريد جَعل غزة مقبرة مفتوحة بلا معالم.
ويروي الصياد إبراهيم النجار وهو يلتقط أنفاسه الثقيلة على رمال الشاطئ، كيف تحول البحر من مصدر للرزق الوفير عبر الصيد، إلى حقل مشقة ومخاطرة يومية من نوع آخر.
ويقول إبراهيم في حديثه لــ"فلسطين الآن"، إن النزول إلى أعماق تصل إلى أكثر من خمسة عشر متراً بدون معدات غوص حقيقية أو أكسجين كافٍ، هو أشبه برحلة انتحارية يفرضها واقع الحاجة والمسؤولية تجاه آلاف العائلات المشردة، حيث يقضي ساعات طويلة في الظلام الدامس بين حديد سفينة متهالكة وغارقة منذ عقود، مستخدماً أدوات بدائية جداً لكسر كتل الإسمنت الصخرية التي تحجرت بفعل التفاعل مع المياه على مدار السنين.
التعليقات (0)