يجد القطاع الصحي في لبنان نفسه اليوم في قلب مواجهة قاسية، حيث يصارع للبقاء بين مطرقة الاستهداف العسكري الإسرائيلي المباشر وسندان الأزمات المالية واللوجستية المتراكمة. ومع نزوح ما يزيد عن مليون ونصف مليون مواطن، تفاقمت الضغوط على المنظومة الطبية التي تعاني أصلاً من نقص السيولة وتراجع الدعم الدولي الممنوح لخطط الطوارئ الوطنية.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى تصاعد خطير في وتيرة الاعتداءات، حيث رُصد 149 اعتداءً استهدف الخدمات الصحية منذ مطلع مارس الماضي. هذه الهجمات لم تفرق بين مراكز طبية أو طواقم إسعافية، مما يعكس حجم المخاطر التي تتهدد العاملين في هذا القطاع الحيوي الذي يمثل شريان الحياة الوحيد للمدنيين في ظل الحرب.
ووفقاً لإحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الصحة اللبنانية، فقد القطاع الصحي 100 شهيد من كوادره، الغالبية العظمى منهم من المسعفين الذين استهدفوا أثناء أداء مهامهم الإنسانية. كما أسفرت الغارات عن إصابة 233 فرداً وتضرر عشرات المراكز والآليات الإسعافية، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف التي تفرض حماية خاصة للمنشآت الطبية.
الميدان الطبي شهد حوادث مأساوية، منها استشهاد مسعفين من الدفاع المدني خلال مهام إنقاذ في بلدة مجدل زون، واستهداف متكرر لطواقم الهيئة الصحية والصليب الأحمر. هذه الاعتداءات أدت إلى خروج 4 مستشفيات عن الخدمة بشكل كامل، فيما تعرض 16 مستشفى آخر لأضرار متفاوتة في مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
ورغم هذه الظروف الصعبة، تواصل المستشفيات تقديم خدماتها ضمن خطط طوارئ منسقة، حيث خصصت وزارة الصحة 70 مستشفى لاستقبال النازحين على نفقتها الخاصة. وأكدت مصادر نقابية أن المستشفيات الخاصة، رغم أزماتها، تحاول التكيف مع الواقع الجديد عبر تحويل بعض مرافقها لاستقبال الحالات الطارئة فقط وضمان استمرار علاج مرضى غسيل الكلى.
وتواجه المستشفيات تحدياً اقتصادياً خانقاً يتمثل في ارتفاع التكاليف التشغيلية بنسبة تصل إلى 30%، مدفوعة بزيادة أسعار المحروقات والمستلزمات الأساسية. هذا الارتفاع يتزامن مع نقص حاد في السيولة نتيجة تأخر الجهات الضامنة وشركات التأمين في سداد مستحقاتها، مما يهدد قدرة المؤسسات الصحية على الاستمرار في العمل.
💬 التعليقات (0)