بينما تقف دولة الاحتلال الإسرائيلي عند أدق منعطف سياسي وعسكري في تاريخها، يبرز اسم رئيس الأركان الأسبق والوزير المستقيل من "كابينيت الحرب"، غادي آيزنكوت، كأحد أكثر الخيارات إثارة للجدل والنقاش داخل أروقة الوعي السياسي الصهيوني. لم يكن عبور آيزنكوت من خنادق العسكرية إلى دهاليز السياسة مجرد تبديل في الأدوار؛ بل يمثل محاولة لإعادة إنتاج "الجنرال المنقذ" الذي تبحث عنه النخب الإسرائيلية المأزومة لإزاحة بنيامين نتنياهو، وبصفته أحد أبرز قادة المنظومة العسكرية الذين ساهموا في صياغة العقائد التدميرية للاحتلال، يتحرك اليوم في الفضاء العام مستنداً إلى رصيد دموي طويل، محاولاً تقديم نفسه كبديل عقلاني قادر على انتشال "الدولة" من مستنقع الفشل الاستراتيجي الذي تعيشه.
إن بزوغ نجم آيزنكوت كمتحدّ رئيسي في المعادلة الحزبية الراهنة لا ينفصل عن إرثه العسكري القائم على الترويع والبطش الإستراتيجي، وهو ما تجسد تاريخياً في صياغته لـ "عقيدة الضاحية" عام 2008، هذه العقيدة التي شرعنت الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة النارية، وتحويل الحواضن المدنية إلى ركام لتحقيق الردع، هي ذاتها العقيدة التي شكلت الدعامة الفكرية والعملياتية لجرائم الإبادة الجماعية والمجازر المستمرة التي ينفذها جيش الاحتلال في قطاع غزة.
ومن هذا المنطلق، فإن دخوله معترك التنافس على السلطة ليس انقلاباً على منظومة التفكير العسكري الصهيوني، بل هو محاولة لترجمة هذه الفظائع إلى مكاسب سياسية، متسلحاً برؤية ترى في القوة العارية وسيلة وحيدة لتثبيت بقاء الكيان. أخبار ذات صلة "يديعوت" تكشف عن مخطط هندسي سري لحفر خنادق على "الخط الأصفر" بغزة! آيزنكوت يستنفر لإسقاط نتنياهو ويصف معركتهما بـ"المتقاربة للغاية"
في المقابل، يتأبط آيزنكوت عداءً مستحكماً وطويلاً مع بنيامين نتنياهو، تغذيه قناعة راسخة لدى جنرالات "المنظومة الأمنية" بأن القيادة السياسية الحالية تضحي بالمصالح الإستراتيجية العليا للاحتلال من أجل الحفاظ على المكتسبات الشخصية والائتلافية الضيقة للـ "بيبيزم"، فلقد تعمقت هذه الفجوة إبان مشاركة آيزنكوت في حكومة الطوارئ وحرب غزة، حيث عاين عن قرب كيف يعطل نتنياهو قرارات "اليوم التالي" للحرب، ويماطل في إبرام صفقات التبادل، مما قاده في النهاية إلى الاستقالة والتحول إلى رأس حربة في معسكر المعارضة.
وبناءً على ذلك، يسعى آيزنكوت اليوم لجمع شتات القوى الوسطية واليمينية الليبرالية، مقدماً نفسه كشخصية إجماع قادرة على صياغة تحالف عريض يطيح باليمين الفاشي المستأثر بالقرار.
وتأتي هذه الاندفاعة السياسية لآيزنكوت لتضع المجتمع الصهيوني أمام مرآة خياراته الداخلية؛ فبينما يرى فيه أنصاره تجسيداً لقيم "الإسرائيلي القديم" الصارم والمستقيم القادم من صلب المؤسسة العسكرية لإعادة الهيبة المفقودة، تراه قوى اليمين المتطرف امتداداً للنخبة الأمنية "الفاشلة" التي تتحمل مسؤولية الإخفاق الإستراتيجي في السابع من أكتوبر.
التعليقات (0)