عام على مبادرة شي جين بينغ.. من اختلال موازين القوة إلى استحقاق العدالة الدولية
محمد علوش | كاتب وباحث، وأمين سر المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني
لم يعد السؤال الجوهري الذي يواجه العالم مقتصراً على كيفية إدارة الأزمات الدولية، بل بات يتصل بطبيعة النظام الذي يحكم العلاقات بين الدول، وبمن يمتلك حق صياغة قواعده وتحديد أولوياته، ففي عالم تتسع فيه الفجوة بين القوة والعدالة، وتتزايد فيه النزاعات والتنافسات الجيوسياسية، وتتراجع فيه الثقة بفاعلية المؤسسات الدولية، تبرز الحوكمة العالمية بوصفها قضية سياسية تتصل بمستقبل العلاقات الدولية، وبقدرة النظام العالمي على ضمان المساواة في السيادة وحماية حقوق الشعوب.
في هذا السياق، تكتسب مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ في الأول من أيلول/سبتمبر 2025، خلال اجتماع «منظمة شنغهاي للتعاون بلس» في تيانجين، أهمية خاصة، لأنها تفتح النقاش حول الاختلالات البنيوية في النظام الدولي، وسبل بناء قواعد أكثر عدالة وتوازناً لإدارة الشؤون العالمية، وبعد عام على إطلاقها، تبرز ضرورة الانتقال من استعراض مبادئها إلى بحث دلالاتها السياسية، ومدى قدرتها على الإسهام في إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز مشاركة الدول النامية في صياغة القرارات.
تأسس النظام الدولي المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية، مع إنشاء الأمم المتحدة وتكريس مبادئ السيادة والمساواة بين الدول وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، غير أن الممارسة كشفت عن فجوة مستمرة بين هذه المبادئ وتطبيقها، إذ لا تزال موازين القوى تؤثر في آليات صنع القرار، فيما تتعثر المؤسسات الدولية في معالجة نزاعات كثيرة عندما تتعارض متطلبات القانون مع مصالح القوى الأكثر نفوذاً، ومن هنا، فإن أزمة الحوكمة العالمية ليست تقنية أو إدارية فحسب، بل سياسية تتصل بتوزيع السلطة الدولية، ومدى قدرة المؤسسات القائمة على تمثيل مصالح المجتمع الدولي بمختلف دوله وشعوبه.
وتندرج المبادرة الصينية ضمن رؤية أوسع تتكامل فيها مبادرات التنمية العالمية والأمن العالمي والحضارة العالمية؛ إذ تتناول التنمية المشتركة والأمن والحوار الحضاري، فيما تركز الحوكمة العالمية على الإطار السياسي والمؤسسي اللازم لترجمة هذه التوجهات إلى قواعد وممارسات، وتقوم المبادرة على خمسة مبادئ مترابطة: المساواة في السيادة، والالتزام بالقانون الدولي، وممارسة التعددية، واعتماد نهج يتمحور حول الإنسان، وتحقيق نتائج ملموسة.
التعليقات (0)