تفرض الحرب المتواصلة على قطاع غزة واقعاً مأساوياً يتجاوز أبعاد الدمار العمراني والخسائر المادية، ليطال عمق البنية الاجتماعية والإنسانية للأسرة الفلسطينية، حيث تخوض المرأة معركة وجودية صامتة لإعادة صياغة حياتها وحياة أسرتها وسط أنقاض النزوح، وفي قلب هذا المخاض القاسي، أزاحت الحرب المعايير التقليدية للأدوار الأسرية والاجتماعية جانباً، دافعة بالمرأة من موقع الشراكة التكاملية إلى مواجهة صدمة الأدوار الفجائية، لتجد نفسها بين ليلة وضحاها المعيل والمسؤول الوحيد عن أسر ممتدة ومشتتة.
إن هذا التحول القسري داخل بيئة نزوح غير آمنة لا يمثل مجرد عبء معيشي إضافي، بل يشكل زلزالاً نفسياً واجتماعياً يضع المرأة أمام استنفار دائم لتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة لأطفالها، بينما تتآكل روحها بصمت أمام العجز عن حمايتهم من أهوال القصف وبرد الخيام ومخاطر الحصار.
لقد فرضت قسوة العيش في خيام مفتوحة تفتقر لأدنى درجات الخصوصية والأمان آليات تكيف طارئة ومضنية، أجبرت النساء على الانخراط في مهن شاقة وغير مألوفة، كقطع الحطب ونقله من بين الركام وجلب المياه النقية عبر مسافات طويلة، وإن هذه الممارسات الإجبارية للبقاء لا توفر سوى الحد الأدنى من الكفاف، لكنها تقتطع في المقابل من كرامة المرأة وخصوصيتها الإنسانية وصحتها الجسدية، وتضع قدرتها التربوية على المحك في ظل بيئة مكشوفة تُمحى فيها الحدود الفاصلة بين العام والخاص.
ويكتمل هذا المشهد المؤلم بتوريث العبء وتشويه الطفولة، حيث يدفع الفقر المدقع وإرهاق الأمهات بالصغار نحو العمالة المبكرة في الشوارع لبيع المستلزمات البسيطة، بينما تحولت الفتيات القاصرات إلى أمهات بديلات يحملن على أكتفهن الصغيرة مسؤوليات طاهية ومربية وغاسلة ثياب، في مصادرة قسرية ومفجعة لأبسط حقوقهن في التعلم والطفولة الآمنة.
ومع استمرار هذا التدهور المركّب، تتجلى مظاهر تآكل شبكات الأمان التقليدية التي طالما شكلت العائلة الممتدة جدارها الحصين، إذ أدّت حالة الفقر الشامل والنزوح المشتت إلى قطع أواصر التكافل الأسرية وعزل المرأة المعيلة في مهب الريح، ويصاحب هذا العزل الاجتماعي حرمان أليم من الجيرة المألوفة الناتجة عن التهجير المتكرر، والتي كانت تمثل في السابق شبكة حماية واحتضان غير رسمية تقدم الدعم النفسي والاجتماعي التلقائي، وفي وسط هذه العزلة، تصطدم الأمهات بخيارات بقاء مستحيلة تحملهن أعباء نفسية وجسدية طاحنة، مثل اقتطاع حصصهن الشحيحة من الطعام لتمريرها للأطفال، أو مقايضة السلال الإغاثية المتواضعة للحصول على حليب أطفال أو دواء ضروري، في ظل إيثار يتجاوز حدود الاحتمال البشري.
وعلى صعيد آخر، تبرز معضلة الفقد المعلق كإحدى أشد صور الضغط المجتمعي قسوة على زوجات المفقودين والمعتقلين، اللواتي يُحكم عليهن بالعيش في منطقة رمادية قاتلة تتأرجح بين صفتي المتزوجة والأرملة، وتعاني هؤلاء النساء من حالة ترقب دائم تحرمهن من نيل الحقوق الاجتماعية والقانونية لإعالة أسرهن رسمياً، فضلاً عن تعقيدات المعاملات الإدارية والشرعية التي تضاعف من استنزافهن، وترفض منحهن المساحة الإنسانية الطبيعية لممارسة الحداد وطي الصفحة، مما يضاعف من معاناتهن في مجتمع يعجز عن استيعاب خصوصية مأساتهن.
التعليقات (0)