لطالما استأثر الطغاة والمستبدون بحصة الأسد في فكر العدوان على الآخرين وقمعهم، واستلال السيوف للقضاء على مساحات النور أو فضاءات الاختلاف والتعددية والاعتراف.
إن الطاغية – والمحتل أو المستعمر طاغية – لا يرى في الضوء إلا تهديدًا، ولا يفترض في فُرجة الضياء سوى الخطر الذي قد ينتشر، فيجعل من الصباحات عميمةً على كل الناس، فيُخرج المنتكسين أو الموهومين من ظلمة الاستقرار المصطنع إلى ضجيج الحراك المأمول.
تتفرد الدول الكبرى بحالة الاستئثار بالثروات وبالقدرات الاقتصادية والعسكرية والإدارية والتقانية والصناعية والزراعية، وتبعًا لذلك فإنها تفترض سيادة روايتها وثقافتها الحصرية وتفسيراتها للحضارة، بتصدير قيَمها وثقافتها وأسلوب حياتها جبرًا في نطاق حضارتها، وكأنها قدَرٌ على العالم الذي يتوجب عليه القبول بها.
إن قبول القليل من الناس أو الكثير لكلّية حضارة الغرب المهيمن، بما يعنيه من استحقار الآخر واستحماره واستخدامه خادمًا لها، لا يأتي دومًا عبر فوهة البندقية أو الدبابة أو فحيح صواريخ الطائرات المهاجمة، بل كثيرًا ما يأتي من ديوان المطبوعات، ومن قنابل الدعاية الموصوفة كذبًا بالإعلام، ومن وسائط التواصل الاجتماعي وخوارزميات الشابكة حديثًا، فيجعل من المتلقي المرتبط بـ«الحضارة الدنيا» منبهرًا ومفتونًا بحضارة المتغلّب الاستخرابي (الاستعماري)، فيتحول إلى خادمٍ أمينٍ ومطيعٍ لها.
في إطار الاختراق الفكري والحضاري لعقول الموهومين من الأمم المنهارة أو المغلوبة على أمرها أو ذات القابلية للاستخراب (القابلية للاستعمار بحسب المفكر الجزائري مالك بن نبي)، تجد الكثير من المنظّرين الذين يقدّسون تراب أرجل الجنود الغزاة! فيرونهم، بانتصاراتهم، أصحاب حق وشرعية وقبول، بل وفخر.
لم تكن الأقدام الغازية الثقيلة يومًا لتشكّل حضارة، وما كانت الأسلحة لتبني أممًا مستقرة أو نهضة عمرانية أو رفعة فكرية. ومن هنا حملت حضارات المهيمن الاستخرابي الدينَ على أكتافها، وحملت ثقافة الأبيض العنصرية الفوقية الحصرية على أسنة الرماح، فأشربتها مساكينَ الأمم الذين انخرطوا اليوم في الدعاية اللذيذة لتلك الأمم المتغلبة، وكأنها هبة الله من السماء للبشرية.
التعليقات (0)