منذ أن دخلت فلسطين في التاريخ الإسلامي، ظلّت مكانتها تتجاوز حدود الجغرافيا، بما تمثّله من ثقل ديني وحضاري، وبما جعلها عبر القرون موضع تنافس القوى الساعية إلى السيطرة على بلاد الشام. وبين فتح بيت المقدس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، واستعادته على يد صلاح الدين الأيوبي عقب معركة حطين، تمتد حقبة تاريخية حافلة بالتحولات السياسية والعسكرية، وبالصراع على الأرض والهوية، وبمحاولات فرض النفوذ وتغيير ملامح المكان.
في هذا السياق، يأتي كتاب "فلسطين بين فتحَين" للمؤرخ الأستاذ الدكتور محمد إرشيد العقيلي، الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن عام 2026، ليقدّم قراءة تاريخية لمسار فلسطين منذ عصورها القديمة، مروراً بالفتح الإسلامي والعصور التي تلته، وصولاً إلى الحروب الصليبية والتحرير الأيوبي، ثم الدور المملوكي في إنهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام. ويستعيد الكتاب محطات مفصلية من تاريخ المنطقة، مستخلصاً دلالاتها السياسية والحضارية، ومضيئاً ما يراه المؤلف من أوجه التشابه بين التجربة التاريخية في مواجهة الصليبيين والتحديات التي تواجه فلسطين في العصر الحديث.
يضم الكتاب الذي يقع في 384 صفحة من القطع الكبير، اثني عشر فصلاً ومقدمة وخاتمة. ويتناول الفصل الأول تاريخ فلسطين القديم حتى ظهور الإسلام، ويستعرض الفصل الثاني الوجود العربي في بلاد الشام وفلسطين والممالك التي تعاقبت عليها والقبائل العربية التي استقرت فيها. أما الفصل الثالث فقد خُصص لطلائع الفتح الإسلامي لبلاد الشام وفلسطين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويتوقف الفصل الرابع عند حركة الفتح الإسلامي في العهد الراشدي، وفتح دمشق وفتح بيت المقدس وقيسارية، وبقية مناطق فلسطين. ويتحدث الفصل الخامس عن تاريخ فلسطين خلال الحكم الأموي، ويدور الفصل السادس حول تاريخ فلسطين خلال العصر العباسي الأول، وموقف أهل فلسطين من هذا الحكم، ومسألة مزاعم حماية شارلمان لبيت المقدس.
ويستعرض الفصل السابع تاريخ فلسطين من العهد الطولوني إلى العهد الفاطمي، أما الفصل الثامن فيتحدث عن الغزو الصليبي لبلاد الشام وفلسطين، وإنشاء الممالك الصليبية وفي مقدّمتها مملكة بيت المقدس. ويركز الفصل التاسع على بوادر التوحيد على يد آل زنكي: عماد الدين وابنه نور الدين، وموقفهما من صراع القوى في العالم الإسلامي. ويشرح الفصل العاشر دور صلاح الدين الأيوبي في استكمال ما بدأه الزنكيون في رفع راية الإسلام بعد إسقاط الخلافة الفاطمية في مصر، وتوحيد بلاد الشام ومصر.
ويتناول الفصل الحادي عشر النظم الإدارية في فلسطين في العهدين الصليبي والأيوبي، وكيف حاول الصليبيون أن يطبعوا فلسطين بطابعهم، وأن يزيلوا الطابع الإسلامي دينيّاً وحضاريّاً. أما الفصل الثاني عشر والأخير فيركز على الدور المهم الذي اضطلع به المماليك، بعد أن آل إليهم حكم مصر وبلاد الشام، في إيقاف الزحف المغولي في عين جالوت، وفي استئصال الوجود الصليبي من بلاد الشام وفلسطين من جذوره.
التعليقات (0)