لم تعد البوابات مجرد حواجز حديدية على الطرقات، بل أصبحت جزءًا من جغرافية حياتنا اليومية ، ومن تفاصيل يومنا الفلسطيني. بألوانها الفاقعة، تسجن الفلسطينيين داخل جغرافيتهم، وتحولهم إلى سجناء هادئين ومسافرين مهمومين، يراقبون عقارب الساعة، ويتابعون حركة الأقفال أكثر مما يتابعون حركة الحياة .
السائقون المتوترون يتابعون ، عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، مجموعات أحوال الطرق والحواجز والبوابات ، ويتبادلون أخبارها ومواعيد فتحها وإغلاقها أولا بأول ، حتى أصبحت المعلومة عن البوابة أهم أحيانا من عنوان المكان الذي نقصده .
الفلاحون، والطلاب ، والمعلمون ، والموظفون ، والعمال ، يحفظون عن ظهر قلب أسماء البوابات ومواعيد فتحها وإغلاقها، ويعرفون أيها يفتح صباحا ، وأيها يغلق قبل الظهر، وأيها يحتاج إلى صبر طويل ، وأيها يحتاج إلى " واسطة " أطول .
أما الزعماء وكبار القوم ورجال المال والأعمال، فالأمر مختلف قليلا ؛ إذ ربما يحتاجون فقط إلى تنسيق خفيف ، حتى لا تتعرض مواكبهم للإزعاج ، أو تصادر ممتلكاتهم، أو تتعطل الصواريخ والدبابات المرافقة لهم ! .
حتى الشاحنات أصبحت من أهل البوابات ؛ فهذه تتجه نحو أراضي عام 1948 محمّلة بالحصمة والرمال ومواد البناء ، وتلك تأتي من الجهة الأخرى محمّلة بالحديد والإسمنت والمحروقات، وربما القمامة أيضا . وقد حفظت جميعها أسماء البوابات ومواعيد فتحها وإغلاقها، وأصبحت تعرف أوقات عملها واستراحتها أكثر مما يعرف السائقون مواعيد عودتهم إلى بيوتهم ! .
أما الجرافات والشاحنات والبيوت المتنقلة والمعدات التي تتسلل من المصانع الوطنية باتجاه المستعمرات الجديدة، فلها هي الأخرى معرفة خاصة بالبوابات ؛ تعرف متى تفتح ، ومتى تغلق ، ومتى يكون الطريق " مناسبا " للمرور .
التعليقات (0)